قبل 20 سنة، توقّف مصرف لبنان عن نشر الإحصاءات المتعلقة بتركّز الودائع في لبنان بصورة رسمية ودورية. باتت هذه المعلومات بمثابة «الأسرار الحسّاسة» التي يجب إخفاؤها عن الجميع، ما عدا، طبعاً، فئة معينة، تواظب على مطالعتها بحكم عملها وموقعها ونفوذها، تضم المصرفيين وكبار المودعين، وبعض السياسيين النافذين والمؤسسات المالية الدولية، والشركات الخاصة الكبرى، التي تدير الثروات الشخصية أو تبيع خدماتها الاستشارية للمستثمرين والمضاربين، بالاضافة إلى حاكمية مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف وبعض الموظفين فيهما.


بمعنى ما، لا يطلع على هذه المعلومات ويراقبها ويحللها ويقيس درجة مخاطرها إلا الذين يمتلكون الودائع، هم أنفسهم ومن يعمل لمصلحتهم في الإدارة والمهن والوظائف المختلفة، أي، بمعنى أوضح، أولئك الذين باستطاعتهم تهديد «النظام» دائماً، وحتى تدميره، إذا ما قرروا سحب ودائعهم أو المضاربة على سعر صرف الليرة.
في الواقع، قد لا يتعدى عدد هؤلاء «الخطرين» 103 من كبار المودعين، فقط لا غير، تزيد ودائع كل منهم على 50 مليون دولار، ويملكون وحدهم 12 ملياراً و486 مليون دولار، أي ما يوازي ربع الناتج المحلي الإجمالي تقريبا، و7.5% من مجمل الودائع، أو 30% من مجمل موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية.
هذا ما تكشفه الإحصاءات الرسمية الأحدث لدى مصرف لبنان، المسربة إلى «الأخبار». ففي نهاية كانون الأول الماضي، كان يوجد 34 مودعاً في المصارف اللبنانية، تزيد ودائع كل منهم على 100 مليون دولار، وبلغ مجموعها 7 مليارات و949 مليون دولار، وهو رقم يعادل، على سبيل الدلالة، نصف قيمة مجمل الأجور المحققة في الاقتصاد المحلي في عام 2017. أي إن ودائع 34 شخصاً فقط تساوي نصف الدخل السنوي لأكثر من مليون ونصف مليون ناشط اقتصادي.
بالإضافة إليهم، كان يوجد أيضاً 69 مودعاً، يمتلك كل منهم ودائع تراوح بين 50 مليون دولار و100 مليون دولار، وبلغ مجموعها 4 مليارات و537 مليون دولار، أي ما يساوي مجمل الرواتب والأجور في الموازنة العامّة، التي تمثل الدخل الأساسي لاكثر من 200 ألف شخص يعملون في الإدارات العامة والتعليم الرسمي والقضاء والجيش والأجهزة الأمنية.
بحسب هذه الإحصاءات، بلغ عدد عملاء المصارف في تشرين الثاني الماضي مليونين و892 ألفاً و484 عميلاً، وبلغ مجموع ودائعهم 164 ملياراً و586 مليون دولار، معظمها بالدولار ولآجال قصيرة، و20% منها لغير المقيمين. هذه الودائع أكبر بـ315% من مجمل الناتج المحلي، وهي درّت على أصحابها فوائد وعمولات بقيمة 7 مليارات و500 مليون دولار، بالإضافة إلى 4 مليارات و500 مليون دولار للمصارف، أي 12 مليار دولار في أقل من سنة، وهو رقم يزيد على مجمل الإيرادات الضريبية وغير الضريبية التي جبتها الدولة في السنة الماضية كاملة.
تكشف هذه الإحصاءات أن 85.7% من مجمل الودائع تتركز لدى عدد قليل جداً من المودعين، لا يتجاوز 231 ألفاً و898 مودعاً يمتلك كل منهم وديعة تفوق قيمتها 100 ألف دولار، يمثل هؤلاء 8% فقط من مجمل المودعين ونحو 6% من مجمل الراشدين المقيمين في لبنان، ويستحوذون على 141 ملياراً و107 ملايين دولار.
صنّف صندوق النقد الدولي الحسابات المصرفية التي تتخطّى ودائعها الـ100 ألف دولار في خانة الودائع الأقل استقراراً، لكون معدّل التركّز في حساباتها بالعملات الأجنبيّة أعلى من الحسابات في الليرة اللبنانيّة، ولكون ربعها تقريباً لغير المقيمين، وهناك نحو 60% من إجمالي هذه الودائع تستحق في أقل من 30 يوماً. هذه المخاطر تزداد كلما ازداد التركز في شرائح الودائع الضخمة، وتكشف الإحصاءات نفسها أن 3273 مودعاً، يمتلكون ودائع تفوق قيمتها 5 ملايين دولار، ولا يمثلون إلا نسبة ضئيلة لا تتجاوز 0.1% من المودعين، يستحوذون وحدهم على أكثر من 46 مليار دولار، أو ما نسبته 27.9% من مجمل الودائع. أمّا الذين تفوق ودائعهم 20 مليون دولار، فلا يتجاوز عددهم 459 مودعاً، يمثلون نسبة 0.01% من مجمل المودعين، ويستحوذون وحدهم على 21 ملياراً و742 مليون دولار، وما نسبته 13.2% من مجمل الودائع.
في المقابل، تكشف الإحصاءات أن في المصارف مليوناً و749 ألفاً و104مودعين، يشكلون 60.5% من مجمل المودعين، لا يمتلكون فعلياً أي ودائع تذكر، إذ تضم هذه الشريحة الودائع التي تقلّ عن 5 ملايين ليرة (نحو 3300 دولار)، ولا يمثل مجموعها سوى 0.5% من مجمل الودائع، ويمكن التكهّن بأن أكثريتها الساحقة تعود إلى موظفين وأُجراء في القطاعين العام والخاص، المجبرين على فتح حسابات مصرفية لتوطين أجورهم، فضلاً عن المقترضين الصغار الذين يضطرون إلى ذلك كشرط من شروط الحصول على قروض سكنية وتعليمية واستهلاكية.

="" title="" class="imagecache-465img" />
للصورة المكبرة انقر هنا