تونس | قد تكون الميزة الأساسية لانتخابات المجلس التأسيسي التي شهدتها تونس أمس، هي أجواء الحرية التي لم يعرفها الشعب قبلاً، ما حوّل الحدث إلى يوم احتفالي على وسائل الإعلام. شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة غصّ بالصحافيين الأجانب الذين جاؤوا لتغطية أولى ثمار «الربيع العربي». نصب هؤلاء كاميراتهم في مختلف أنحاء تونس العاصمة، لتصوير مشاهد الازدحام أو لطرح أسئلة مصوّرة على بعض المارّة.


إذاً، ما لا يقلّ عن 500 صحافي أجنبي تقدّموا بطلب اعتماد إلى «الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات» لتغطية عملية الاقتراع. لكن رغم الاهتمام العالمي الكبير، بقي الحدث «تونسياً بامتياز»، كما تلاحظ المسؤولة عن «وحدة مراقبة وسائل الإعلام» في الهيئة حميدة البور.
هذه الوحدة أخذت على عاتقها مراقبة أداء عدد من وسائل الإعلام المحلّية والأجنبية التي تابعها التونسيون قبيل الحملة الانتخابيّة وفي أثنائها. وأهمّ ما رصده تقريرها الثالث والأخير الذي غطّى فترة 1 ـــــ 13 تشرين الأوّل (أكتوبر): توازن في تغطية وسائل الإعلام الحكومية مقابل بعض تجاوزات عرفتها وسائل الإعلام الخاصّة، إذ إن القناتَين الأولى والثانية التابعتين للتلفزيون التونسي لجأتا إلى عرض المداخلات الانتخابيّة لنحو 1600 قائمة مترشّحة، وهو ما لم يترك لها الكثير من الوقت لتنظيم برامج حوارية. فيما بدا واضحاً تحيّز بعض وسائل الإعلام الخاصة لفريق ضدّ آخر. أشار التقرير مثلاً إلى أنّ قناة «نسمة» لم توزّع هواءها بنحو عادل بين الأفرقاء السياسيين. هكذا أعطت مساحة لرئيس لائحة «طريق السلامة» الشيخ عبد الفتّاح، وهو أحد منافسي «حركة النهضة» هامشاً واسعاً وغير عادل من الهواء. أما «حنبعل» فبدت أيضاً غير منصفة. الأمر نفسه ينطبق على الصحافة المكتوبة. رغم محاولاتها الجدّية لمواكبة نشاطات القوائم المرشّحة، بقيت تغطيتها سطحيّة وتفتقر إلى العمق والمقارنات. كذلك، لم تلتزم بعض الصحف الأكثر توزيعاً، مثل «الشروق» و«الصريح» قرار «الهيئة العليا للانتخابات» القاضي بمنع الإعلان السياسي لبعض الأحزاب.
وبدا واضحاً أنّ بعض الصحف التونسيّة تميّزت بخطّ تحريري واضح. أسبوعية «المغرب»، مثلاً، خصّصت صفحاتها لمقالات وملفّات تناولت فيها من زاوية نقديّة «حركة النهضة» الإسلاميّة. إلّا أنّ التركيز على مسألة الفوز المنتظر للحركة لم يقتصر على وسائل الإعلام التونسيّة. بل ربّما برز ذلك واضحاً في التغطية الغربية.
قناة «الجزيرة» من جهتها ـــــ وإن كانت قد عبّرت عن استيائها من قرار الهيئة بمنع الإعلام الأجنبي من محاورة المرشّحين ـــــ حاولت مواكبة الحدث من خلال استضافة ممثّلين لمختلف الأطراف من غير المرشّحين. إلّا أنّها لم تفلت من نقد وحدة مراقبة الإعلام التي اتّهمتها «بتخصيص حيز كبير لراشد الغنّوشي (زعيم «حركة النهضة») في برنامج «حديث الثورة»». لكن اتّضح أن الوحدة أخطأت في رصدها للقناة، فأصلحته بعد احتجاجات من مدير مكتب «الجزيرة» لطفي حجّي. وأمس واكبت الفضائية القطرية الانتخابات، فأرسلت فريق عمل إلى تونس: المذيعة ليلى الشايب عادت إلى موطنها لتواكب الحدث من استوديو خاص، كذلك انتشر مراسلو القناة في مختلف المناطق.
أما «العربية»، فحاولت توزيع الهواء بين التغطية التونسية و... نقل التعازي بوفاة ولي العهد السعودي سلطان بن عبد العزيز آل سعود. وعرضت تقارير استعادت فيها يوميات الثورة التونسية، وصولاً إلى فرار زين العابدين. الصحافة الغربيّة بدورها ركّزت حصرياً على قضيّة الإسلاميين وما يخشاه البعض في حال وصولهم إلى الحكم، وهو ما رأته الصحافية الإسبانيّة بياتريس ميزا أنّه «أمر مؤسف. لأنّه يفتقر إلى العمق ويختزل القضايا في الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين».
الصحافة الفرنسيّة ركّزت بدورها على الموضوع. تحوّلت برقيّة لـ«وكالة فرانس برس» في 19 من الشهر الحالي إلى موضوع جدل واسع على الساحة السياسيّة التونسيّة. نقلت الوكالة عن راشد الغنّوشي تحذيره من تزوير محتمل للانتخابات وتهديده باللجوء إلى الشارع في حال حصول ذلك. ورغم ذلك كانت تغطية الصحف الفرنسية لليوم الانتخابي مكثفة، وخصوصاً جريدتَي «ليبيراسيون»، و«لو موند»؛ إذ اعتمدتا عنواناً عريضاً لتغطيتهما، فاختارت «ليبيراسيون» عنوان «تونس ما بعد بن علي»، فيما لجأت «لو موند» إلى عنوان تقليدي هو «انتخابات في تونس». وبرزت في الصحيفتَين تغطية دقيقة ومواكبة حثيثة لليوم الطويل. كذلك فعلت «غارديان» البريطانية التي أضاءت على المرشحين الشباب وبينهم مجموعة من المدوّنين.




مَن يتحالف مع مَن؟

وفي ظل الانهماك بتغطية الانتخابات، برز نقاش آخر في وسائل الإعلام، تطرّق هذه المرة إلى التحالفات التي سيشهدها المجلس التأسيسي المنتخب لتكوين الأغلبيّة الحاكمة؛ إذ احتدم الجدل بين الأحزاب «الوسطيّة»، كما تصف نفسها، في محاولة لإيجاد صيغة مناسبة تمكّنها من التحالف مع بعضها لتكوين قوّة معارضة للنهضة في المجلس. وقد أثار الموقف المتردّد لمصطفى بن جعفر، رئيس «التكتلّ من أجل العمل والحرّيات» انتقادات من قيادات «التقدّمي» وحزب «آفاق تونس» ومستقلّين «حداثيون». وانتقل النقاش في هذا الموضوع على الشبكة العنكبوتية، ليحتدم النقاش بعنف، وتحديداً على موقع فايسبوك.