يقع أدب النص الاجتماعي في منطقة بين السوسيولوجيا والأدب الخالص. ليس في موقعه هذا أي هامشية، أو انزياح عن صلب المعنى، بل على العكس؛ إذ يصير الأدب حمالاً لتأويلات شتّى، تزداد كلّما صار المجتمع أكثر فاعلية في إنتاج نصه مباشرةً، لا ينتظر من ينتجه ويقرأه مكانه. في كتابها «الحراقة: حارقو الحدود» (Harragas, les brûleurs de frontières)، الصادر باللغة الفرنسية عن دار Encre d’Orient، نقلت سلوى بن عابدة موضوع الهجرة السرية إلى فضاء سوسيو ـــــ أدبي يعكس واقعاً مهشّماً. إلى جانب النص، لوحات وقّعها التشكيلي وسيم العبد، ليخلق مجالاً جديداً لقراءة نصّ الهجرة السرية كما يرويه بطل الرواية. يبحث الراوي عن انتماءات هذا الشاب التونسي وأصوله: بعضهم يقول إن جذور عائلته تعود إلى مهد الإسلام، ويقول آخرون إنّ قبيلته تنحدر من الأندلس... أمّا هو، فيرى أنّه ينتمي إلى عدد من الحضارات والثقافات المتفاعلة في ما بينها. لكن الأكيد أنه ينتمي إلى مجموعة شباب ولدوا في الضاحية، تجمعهم الظروف ذاتها.


الدراسة متعثّرة، ونسبة البطالة مرتفعة، والمجتمع مقسوم طبقياً بين أغنياء يعيشون في شوارع راقية وعصرية، وفقراء يحيون في «أزقة الغبار». الانقسام العمودي هذا يلحقه انفصال أفقي يعوق الحراك الاجتماعي، ويدفع بأبناء الطبقة الفقيرة إلى الاستلاب عن وجودهم، كحال أخت الراوي التي تعمل في مصنع ثياب وتتمنى أن تلبس من بضاعته.
تترسخ الحدود الاجتماعية أكثر مع تقييد المجتمع بثنائيات وهويات ترسم خطوط التماس بين فئاته، ولا سيما بين الأنثى والذكر. هذه الحدود كرّستها النظرة الدينية التي ترى في المرأة رمزاً للشيطنة، والخطيئة، والضلال عن الصراط المستقيم. وسط مشهد المنع والضياع، يبحث الشاب عن منفذٍ ينتشله من الموت الاجتماعي، وعن مكان يخرجه من اغترابه ليحرِّره من ذاته المتشظية والموبوءة بالصور الوهمية، كتلك التي يراها على شبكة الإنترنت وعبر وسائل الإعلام الحديثة.
أحاطت سلوى بن عابدة البحر برمزية قوية ومكانة سيمانطقية مهمة، في الكثير من المشاهد السردية. فهو المنفذ الوحيد القادر على تحرير الشاب من حدوده الداخلية، إلى فضاء واسع. يحلم بركوب أمواج البحر مثل سندباد البحري، يتنقل من محيط إلى آخر من دون الاكتراث بـ«ثروة» الجيل السابق الأخلاقية أو الاجتماعية. البحر بالنسبة إليه باب الهرب إلى مكان إيكزوتيكي. «نظرت إلى البحر، لونه أسود في الليل، الأمواج، أشعرني ذلك بالسكون».
في «الحراقة: حارقو الحدود»، يركب الشاب القارب الصغير، إلى جانبه سبعة أشخاص، كل واحد «ملتصق بالآخر في البرد، جسداً واحداً يقف أمام البحر». يلقي القارب بنفسه في بطن الحوت كي يحمي نفسه من «شياطين البحر». تلفظه الأمواج إلى الشاطئ فتلتقطه «سفينة طارق بن زياد»، سفينة الهوية الأولى، وتسلمه إلى حرس السواحل، ليبدأ رحلة جديدة في مجتمع يراقبه كرقمٍ في «مخيم الاحتجاز». مع تطور الأحداث السردية، تتغيّر أحلام الشاب. تظهر القوة الأدبية لنص بن عابدة السوسيولوجي في الانتقال رمزياً من حلم الحورية، إلى حلم الهوية المفقودة في المحكمة، وحلم الرسالة التي بعثها إلى كل مواطني العالم كي لا يستسلموا للحدود أو يتيهوا في «صحراء البحر».