«لم أكن أعتقد أنك تستطيع الموت إلى هذا الحد». هكذا يخاطب السجين نفسه، بين جلستي تعذيب «يدقون (فيها) لحمك وعظامك في تلك الأجران الجهنمية» بين رحلتين كافكاويتين إلى أعماق الجحيم. «السجين الرقم 13»، كان يكتب على الذاكرة في البداية، يحفظ نصوصه غيباً، أو يحفّظها لزملائه في غياب القلم والورقة. ثم راح يهرّبها إلى الخارج على أوراق السجائر. انتظرته تلك الشذرات «هناك»، في الخارج، طويلاً. وعندما نشرها بعد زمن يصعب حصره بالأرقام، كتب هذا التنبيه إلى القراء: «أربعة عشر عاماً وأنا اسمّي الـ«هناك» هنا! لذا، يتعيّن عليكم، كلّما قرأتم «هنا» في أوراق السجن، أن تذهبوا بها إلى «هناك»».

إنّه الصحافي والشاعر السوري فرج بيرقدار (1951)، من أرض إقامته البعيدة يتفرّج الآن ربما على الوطن الممنوع يقترب ويتشكّل من جديد، خارج الظلام الدامس. اعتقل في 31 آذار (مارس) 1987 بتهمة الانتماء إلى حزب العمل الشيوعي في سوريا، بقي في السجن أربعة عشر عاماً، قبل أن تعطي ثمارها الحملة العالمية لإطلاق سراحه. كتابه الذي بين أيدينا سبق أن فرأناه بمرارة وخجل، بعيد العدوان الاسرائيلي على لبنان. هل كانت الأمور مختلفة؟ ومع ذلك كانت على ما هي عليه الآن بعد انفتاح كوة الأمل المقلقة. لم يتغيّر شيء، تغيّر كل شيء. ناشره البيروتي «دار الجديد» أصدر أخيراً طبعة ثانية من «خيانات اللغة والصمت ـــ تغريبتي في سجون المخابرات السورية»، فكتب فرج يسأل: «أي عالم عربي نراهن مع شعوبنا على ولادته الآن؟». قد لا يكون الجواب متفائلاً بالضرورة، لكن مجرد استعادة كلماته النازفة التي أنقذها من «الوحل البشع، المثير للرثاء»، يؤثر على تعاملنا مع الراهن الصعب. لا أحد يستطيع أن يقول إنّه لم يكن يعرف.