القاهرة | يظن بعضهم أن فلسطينيّة تميم البرغوثي هي المعنية بتصريحات حسن الرويني. قد يكون ذلك صحيحاً، لكنّ المسألة تعود إلى سمة أكثر رجعيّة وتخلّفاً تحاصر العقل العربي الذي ما زال يعد المرأة نصف الرجل، ويرى أنّ «المرأة» المصرية رضوى عاشور ليس لها أن تهب جنسية بلدها لابنها تميم، ولو كان القانون يسمح بذلك. وتصريحات اللواء لم تكن لتتغير لو كان الأب ليبياً أو سورياً. الإهانة الأولى موجّهة إلى امرأة مصريّة اسمها رضوى عاشور، يراها خطاب اللواء نصف مواطنة بل نصف إنسان.


ربما بدت الأزمة فلسطينيةً أكثر عندما أطلّ تميم قبل أسابيع على قناة «حنبعل» التونسية، واتهمه المذيع بالنفاق لأنّه ممن «يهاجمون أميركا ويدرّسون في جامعاتها» (جورج تاون). بدا كأن السائل قادم من المريخ لا يدري شيئاً عن أزمة الفلسطينيين، ليس في العمل فقط بل في مجرد تجديد الإقامة في العالم العربي. كان رد الشاعر بديهياً، إذ لم يُسمح له بالتدريس في جامعة عربية. قطع الشاعر زيارته التونسية احتجاجاً، وأعلن الشباب التونسي تضامنه معه واعتذاره. أما الشباب المصري فتضامن بلا اعتذار لأنه عدّ الشاعر واحداً منه، له ما لأهل البيت وعليه ما عليهم.
الذين لم يسمعوا قصيدته «قالوا لي بتحب مصر قلت مش عارف»، بحثوا عنها عندما ذاع صيت شعره خلال الثورة المصرية عبر قصيدة «يا مصر هانت وبانت كلها كام يوم». بعضهم قرأها والبعض الآخر سمع إلقاءها، لكنها اكتسبت شعبيتها مع ألحان مصطفى سعيد الذي ـــــ للمفارقة ـــــ يقيم في لبنان. كأن الشاعر والمغني يمثلان الجمهور العربي المنتظر لنهضة النيل منذ دهر. كتب تميم قصيدة إلى تونس أيضاً، لكن القصيدة المصرية بقيت الأشهر ربما لأنها بالعامية وربما لأنه «مصري» بغضّ النظر عن رأي الجنرال الرويني. لكن بين هذا وذاك، التصق بتميم لقب صنعه الإعلام هو «شاعر الثورة»، هذا اللقب الذي لاحق شعراء آخرين أيضاً. بعضهم طلبه، وبعضهم رفضه، وآخرون لم يعلّقوا. دارت النقاشات الصحافية حول شعر الثورة، لكنها بدت تلبية لرغبات الميديا. حمل تميم تراث أبيه الفلسطيني، لكنه تخلص من جلبابه الفني. ترك عالم القصيدة النثرية الذي أبدع فيه مريد وعاد إلى تاريخية القصيدة.
تنوعت تجاربه بين المحكية الفلسطينية والمصرية والفصحى. لكنه ظلّ عند حدود القصيدة كما يعرفها الجمهور: كلام موزون ومقفى، بالوصف النقدي راوح بين التفعيلة والعمودي، وفي المحكي بدا أقرب إلى تراث الزجل في مراحله المتقدمة. لم يجرب تميم فنياً، ربما لأن قصائده بدت كأنها تدافع عن القضية لا عن الفن.
مزيج من الموهبة والكلاسيكية جعل قصائده امتداداً لبعض قصائد العامية كما كتبها جيل الستينيات في مصر، وبعضها كان معارضات للتراث العربي كما فعل رواد العشرينيات. لم يكن غريباً بالتالي أن يخوض تميم مسابقات من نوعية «أمير الشعراء»، ولم يكن غريباً ألّا يربح المركز الأول لأن للتلفزيون أهله، وتميم ـــــ شاء أو أبى ـــــ ينتمي إلى القصيدة لا إلى المهرجانات.