القاهرة| في يوم «جمعة الغضب» الأولى (28 كانون الثاني/ يناير)، كانت الكاتبة المصرية رضوى عاشور في أحد المستشفيات الأميركية تستعدّ لإجراء عملية جراحية خطيرة. كانت قد تابعت تفاصيل ما جرى قبل هذا اليوم من تظاهرات، وتوقعت تعاملاً أمنياً عنيفاً يوم الغضب، وكانت تخشى على الشباب المشارك. عندما أفاقت من البنج، لم تسأل أستاذة الأدب الأميركي عن زوجها الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي، أو عن ابنها تميم. لم تسأل عن حالتها الصحية. فتحت عينيها وسألت: «ضربوا العيال؟».


استمرت الرحلة الأميركية للعلاج طويلاً. تابعت صاحبة «الطنطورية» تفاصيل الثورة المصرية مع عائلتها الصغيرة بشغف وتوتر.. قبل أن تنضم إلى ميدان التحرير وينخرط تميم مع الثوار مشاركاً في إعداد وثيقة للوحدة الوطنية معهم.
خلال الأسبوع الماضي، أطلّ الشاعر الفلسطيني الشاب ضمن برنامج «آخر كلام» مع يسري فودة على قناة «أون. تي. في». تحدّث عن الوثيقة التي أعدها مع الناشطة نوارة نجم. وأكّد أنّ الحصن الأساسي لاستكمال الثورة وحماية مصر من التدخلات الأجنبية، هو استمرار إجماع المصريين على مبدأ العدالة الاجتماعية، والطبقات المظلومة في المجتمع. وهي ليست مظلومة بسبب «العامل الذي يطالب بأجر 700 جنيه، بل بسبب الولايات المتحدة وانكلترا اللتين تنهبان مواردنا الطبيعية وتجبراننا على بيع ما نملك بأتفه الأثمان».
في اليوم التالي، ظهر أحد جنرالات المجلس العسكري الحاكم في مصر، اللواء حسن الرويني في برنامج آخر، مستنكراً أن يتحدث شاعر فلسطيني «ذو اسم ولهجة غريبة، وشكل ليس كالمصريين عن قضايا مصرية».
ليست تصريحات الجنرال الرويني مهينة وعنصريّة فحسب، بل تفضح صاحبها الذي يشكون من جهل مدقع بتاريخ بلاده. لقد أهان بتصريحاته تلك تاريخ مصر الذي احتضن شخصيات أمثال أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وبيرم التونسي، وفؤاد حداد، ويوسف شاهين، ونجيب الريحاني... وعشرات آخرين، وجميعهم من أصول عربية، احتضنتهم مصر الليبرالية قبل أن يحكمها العسكر. احتضنتهم بهيّة المصريّة مثل سائر أولادها... وإذا بهم في الذاكرة الجماعيّة اليوم من أكبر رموزها وأشهر ابنائها...
الجنرال الغاضب أضاف في البرنامج ذاته: «أهلاً به يكتب شعراً، يكتب قصة، يكتب زجلاً ويقول رأيه. لكن ما يكتبش الوثيقة». وهي أيضاً تصريحات تحمل نظرة دونية للثقافة والفن، تجعلنا نستعيد صرخة شكسبير في رائعته «يوليوس قيصر» عندما قال: «احذروا هذا الرجل، إنّه لا يحب الشعر».
وقبل أن ينتهي اللواء الرويني من مداخلته، كان عدد من الشباب قد أسسوا عدداً من المجموعات الساخرة على فايسبوك، تستنكر ما قاله هذا العسكري. وكان أبرزها: «تميم بن رضوى... وجمال بن سوزان»، في إشارة إلى أنّ جمال مبارك الذي كان يستعد لحكم مصر ويرأس المؤسسة العسكرية نفسها التي يتحدث باسمها الجنرالات الآن، لولا خروج الشعب لإسقاط النظام، يحمل الجنسية البريطانية، إذ إنّ جدته لأمه إنكليزية، وهي ممرضة تزوّجت من طالب مصري في بريطانيا، وأنجبا سوزان ثابت التي صارت لاحقاً «ملكة» مصر (المخلوعة)!
كذلك أسس عدد من الشباب صفحة أخرى بعنوان «تميم مصري يا رويني، وكل العرب إيد واحدة»، بهدف التأكيد أنّ «تميم مناضل مصري أصيل، وتاريخه يشهد (...) والاستعلاء بالصورة دي، بعد ثورتنا العربية مرفوض».
وأصدر عدد من المثقفين، من بينهم صنع الله إبراهيم، وبهاء طاهر، وأحمد فؤاد نجم، وعبد الرحمن الأبنودي بياناً رفضوا فيه «أي تمييز يوحي بالشوفينية والاستعلاء العنصري إيماناً منهم بأنّ أبناء العروبة جميعاً سواسية». ورأى صنع الله إبراهيم تصريح الرويني مسيئاً لمصر وثورتها، قبل أن يكون مسيئاً للمجلس العسكري: «لا يجوز التهكم على شاعر مصري فلسطيني بهذا الشكل، لأن تدخّله لمعالجة الشأن المصري يأتي من خلال هويتنا العربية».
ليست المرة الأولى التي يواجه فيها البرغوثي هذا النوع من التعامل المخجل من قبل السلطات المصريّة. المرّة السابقة كانت خلال العهد البائد، يوم قُبض عليه عام 2003 خلال مشاركته في تظاهرات ضد العدوان الأميركي للعراق. رُحّل يومذاك إلى الأردن، بصفته فلسطينيّاً. وهناك كتب قصيدته الشهيرة «قالوا لي بتحب مصر». لا بد من أن تتغيّر الذهنيّات قليلاً بعد ٢٥ يناير.

بدعوة من «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، يقدّم تميم البرغوثي أمسية شعرية في السادسة من مساء اليوم في مدينة النبطية (قاعة فرع المجلس في جنوب لبنان). 01/703630




لست غريباً

في العام نفسه الذي سافر فيه السادات إلى القدس، معلناً الصلح مع العدو التاريخي، ولد تميم البرغوثي (1977) وأُجبر والده الشاعر الفسلطيني مريد البرغوثي على مغادرة مصر نهائياً. ظل الطفل مع والدته الكاتبة المصرية رضوى عاشور، يلتقي والده في أماكن الشتات ضمن زيارات قصيرة في الإجازات الصيفية.
وفي 1993، اجتمع شمل العائلة إذ سُمح لمريد بالعودة إلى مصر. بعد خمسة أعوام من عودة الأب، نشر تميم ديوانه الأول «ميجانا» الذي كتبه باللهجة الفلسطينية. وكانت التجربة الثانية ديوانه «المنظر» بالعامية المصرية، ثم «قالوا لي بتحب مصر» الذي كتبه بعد ترحيله إلى الأردن. لكنّه خشي خسارة مصر كما يقول «فكوني فلسطينياً مصرياً، أعطاني إحساساً بالهم الجماعي». لا يشعر تميم بأنه يعيش فى منفى: «إذا كنت في مكان يتكلم أهله العربية، فلست غريباً».