الدوحة| هل خضعت «الجزيرة» للضغوط، فقررت التراجع خطوة إلى الوراء في دمشق، وهي التي اكتفت منذ بداية الاحتجاجات بنقل تصريحات شهود عيان، بينما منع مراسلوها من التحرك ميدانياً؟ نقلت أول أمس وكالة «رويترز» أنّ القناة القطرية «ستعلق بعض عملياتها في سوريا». وذكرت لجنة حماية الصحافيين التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها أنّ «الجزيرة» أبلغتها أن «دمشق ضغطت ضغطاً متواصلاً على موظفيها في سوريا للاستقالة».


وقالت إنّ «السلطات السورية طلبت أيضاً من طاقم «الجزيرة» الذي يتخذ من سوريا مقراً له، عدم الاتصال بمقر القناة في الدوحة وعدم الظهور على الهواء لتغطية أخبار من المكتب، ولو بالهاتف». وتابعت أنه «خلال الأيام الثلاثة الماضية، قذف مجهولون مكتب الجزيرة في دمشق بالبيض والحجارة. كذلك يواصل رجال بالزي المدني مضايقة العاملين في المكتب وترويعهم».
وقال منسق برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في لجنة حماية الصحافيين محمد عبد الدايم: «تعتقد سوريا أنّه بمضايقة الصحافيين وطردهم واعتقالهم، سيكون بإمكانها منع العالم من رؤية الاضطرابات المدنية التي تشهدها البلاد». واستطرد قائلاً: «هذه الاستراتيجية أثبتت فشلها في مصر وتونس واليمن. على السلطات أن تتوقف فوراً عن مضايقة الصحافيين وتهديدهم وإتاحة الفرصة لهم للعمل بحرية». ومن المفارقات التي حملها البيان أن متحدثاً باسم القناة قال لـ«رويترز» إن «العمليات التي ستعلق تخصّ الخدمة العربية للقناة»، ما يدعو إلى التساؤل عما إذا كانت تغطية «الجزيرة» الإنكليزية لا تضايق السلطات السورية، أم أنها تعدّها «أكثر حيادية»؟ أم أن المحطّة الأم أكثر إزعاجاً من زميلتها الإنكليزيّة، لأنّها بلغة الضاد. هنا، تجدر الإشارة إلى أنّ «الجزيرة» واجهت السيناريو نفسه أثناء الثورة المصرية، حين كان مراسلو القناة الإنكليزية يعملون براحة، باستثناء «تحرشات» هناك وهناك، بينما ترصدت قوى النظام عمل مراسلي القناة العربية!
في المقابل، لا بد من الإشارة إلى أنّ صحافيين في «الجزيرة» الناطقة بالعربية لم يخفوا في حديثهم لـ«الأخبار» تحفظهم على بعض التقارير والتغطيات التي تبث على الهواء ويغلب عليها طابع «الموقف» و«الرأي»، و«محاولة توجيه المشاهدين والتأثير عليهم»، مقارنة بتغطيات «الجزيرة» الإنكليزية التي تحرص على نقل الخبر بأوجه متعددة. قرار قناة «الرأي والرأي الآخر» تعليق بعض عملياتها الخاصة بالخدمة العربية حصرياً يطرح علامات استفهام عدة، ولا سيما أن «الجزيرة» واجهت في الثورتين التونسية والمصرية تهديدات أكثر، بل اعتقل صحافيوها وتعرضت لاعتداء على مقرها في القاهرة، واعتقل مراسلوها أيضاً في طرابلس، وبينهم كامل التلوع الذي نُقلت أمس أخبار عن تعرضه للتعذيب. وقبلها، استُشهد مصور القناة علي حسن الجابر في بنغازي. لكن في كل تلك الحالات، لم ترفع «الجزيرة» الراية البيضاء، ولم تعلن تعليق بعض خدماتها. هل رضخت المحطة لضغوط أجبرتها على التراجع، تماماً كما فعلت في الحالة البحرينية؟ وهنا، لا بد من الإشارة إلى أن مكتب «الجزيرة» في سوريا كان قد رفع الراية البيضاء باكراً. ولم تُسجَّل في عز الاحتجاجات أي تقارير لمدير مكتبها عبد الحميد توفيق أو أحد مراسليها، باستثناء ظهوره على الهواء في الأيام الأولى من الاحتجاجات. وكان يكتفي بنقل وجهات نظر السلطة والمحتجين معاً، بينما كانت صور القمع والاحتجاجات في درعا ومدن أخرى تصل من وكالات أنباء عالمية، وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، مع ما يجرّه ذلك أحياناً من مخاطر الوقوع في فخ التهويل والتضخيم والمبالغة وعدم الدقّة... في المقابل، تطرح الاتهامات التي تتعرض لها المحطة القطرية سؤالاً من نوع آخر؟ ما سر تركيز النقد المضاد من السلطة وأنصارها على «الجزيرة» دون غيرها، رغم أن تغطيتها ليست أقوى من تلك التي تقدمها «بي. بي. سي» مثلاً؟ وهنا، لا بد من الإشارة إلى أنّ «بي. بي. سي. عربي» تعرضت لنوع من «الإهمال» و«الظلم» في تقويم دورها الإعلامي منذ بداية الثورات والاحتجاجات الشعبية العربية، وخصوصاً في الحالتين البحرينية والسورية؛ إذ كانت تخصص برامج حوارية وتغطيات متواصلة، مميّزة، متوازنة، لما يحدث في المنامة ودمشق. لكن الغريب أنّها لم تتعرّض لحملة مماثلة لتلك التي طاولت الجزيرة، ولا يزال مراسلها يطل يومياً على الهواء، وينقل وقائع الانتفاضة. فهل الأنظمة العربية تعجز عن الضغط على القناة التي لا تعترف بأي سلطة باستثناء سلطة الشعب البريطاني الذي يموّل القناة؟ أم أن ما يزعج في «الجزيرة» تحديداً هو حجم انتشارها عربياً؟