إطلالاته على مكاتب «الأخبار» لها وقع خاص. يأتي على عجل بين موعدين، عندما يزور بيروت حيث درّس طلاب الماجستير في الجامعة اللبنانيّة. تتدلّى من كتفه الحقيبة السوداء نفسها. لحية الأيّام العشرة غزاها شيب أربعيني. طريقته الديناميّة في الكلام تنتقل كالعدوى، توازيها «شرقطة» في العينين، وابتسامة رفيقة لا تخلو من قسوة. كل ذلك يحمل مسحة جزائريّة لا تفوت شخصاً مغاربيّ الهوى. نطلب له القهوة، فيما هو يتنقّل بين مكتب أمل وسناء تلميذته. ثم نقوم بجولة أفق تبدأ غالباً بفرنسا ـــــ التي يحمل لغتها وثقافتها وميراثها التقدّمي والتنويري ـــــ في لحظة الانحطاط الساركوزي العظيم. يستشهد غالباً بمجموعة راديكاليّة من المهاجرين العرب اسمها «بلديّو الجمهوريّة». يقودنا الحديث حكماً إلى بلداننا: الهويّة، الحريّة، التقدّم، المقاومة. يتكلّم خالد بقلبه، ولا يبدو محايداً. ذلك لا يمنعه من التحلّي بمهنيّة صارمة، تقتضي الذهاب إلى الواقع لمعاينته ومحاولة فهمه، قبل إطلاق الأحكام.

في تمّوز ٢٠٠٦، جاءنا تحت القصف. بدا فخوراً بوجوده بيننا في تلك اللحظة التاريخيّة. كان يريد أن يلتقي جوزف ويفهم مشروعه، ويستمع إلى مواقفه، وسجّل معه بالفعل شهادة مهمّة، نشرناها العام الماضي في ذكراه. يودّعنا كل مرّة ويعود إلى دمشق، المدينة التي أحبّها وتبنته ويعمل فيها مراسلاً لإذاعة France Culture وسواها. الآن يقبع في أحد أقبيتها المظلمة منذ ١٣ يوماً، من دون أي خبر عنه، أو اعتراف رسمي باعتقاله. ليس خالد سيد مُحَنْد وحده أمام الامتحان الصعب، بل البلد الذي يُحبّ بأسره. لكنّنا نقول له تحديداً إنه واحد منّا، وإننا نترقّب زيارته المقبلة في أسرع ما يمكن.