لأنّ التاريخ العالمي مزوّر في معظمه، ومكتوب بلغة الأقوى، أراد إدواردو غليانو أن يكتب تاريخاً موازياً، على طريقته الخاصة. في «مرايا: ما يُشبه تاريخاً للعالم» (دار رفوف ــ دمشق) الذي عرّبه صالح علماني، يؤسس الكاتب الأورغواياني مفهوماً مختلفاً لأرشفة العالم. كأنها حفريات تعيد بناء التاريخ شعرياً. وإذا بنا أمام موسوعة شاملة تمتدّ من رسوم الكهوف ومدونات البردى، والرقم الطينية لحضارة الرافدين، إلى المرحلة الكولونيالية، فاللحظة الإلكترونية.

على طريقة البازل، يقوم بتركيب وقائع وحوادث وشخصيات، ويرسم بها خرائط مبتكرة للعالم. هكذا يعيد إلى أفريقيا تاريخها المهدور بوصفها مركز نشأة العالم. ينسف التصورات التي راكمتها الثقافة الأوروبية، بسطوة القوة، وخرافة تفوّق الجنس الأبيض. لسنا أمام مؤرخ إذاً، بل روائي يحيل الزمن الواقعي على مرايا متجاورة، تفكّك التاريخ المزيّف، لتكتب حيوات، كانت مدفونة بدمغة الأرشيف الرسمي. يكتب غليانو: «الحياة بلا اسم، بلا ذاكرة، كانت وحيدة. كانت لها يدان، لكن لا وجود لمن تلمسه. وكان لها فم، لكن لم يكن هناك من تكلمه. كانت الحياة واحدة، ولأنها واحدة كانت لا أحد».
قبل أن يُمزَّق الكوكب إلى مرايا متشظية، كانت الحياة تبدو مثل آثار طيور. وها هو جورج دبليو بوش، يكتب تاريخاً مضاداً لحضارة الطين في حرب إبادة ضد العراق، «ربما لقناعته بأن الكتابة قد اختُرعت في تكساس». على هذا النحو، يستلّ صاحب «أفواه الزمن» 600 حكاية متخيّلة، تختزل تاريخ البشرية في مخاضها الطويل، وعبوديتها المتجددة. هكذا نلتقي قوافل العبيد في روما، وجحافل الحروب الصليبية، ونشهد لحظة قتل سقراط، وإحراق كتب الشاعرة الإغريقية سافو، وتمرّد سبارتاكوس على عبوديته، ومخدع كليوباترا المضمّخ بالزنبق وزهر العسل، وكيف اخترعت الكنيسة الكاثوليكية الجحيم، وكيف اخترعت شهرزاد الحكايات.
«من الخوف من الموت، ولدت براعة القص» يقول غليانو. في بلاد فارس، سنتعرّف إلى عمر الخيّام وخمرياته، لنعبر تضاريس أخرى. كما سيميط اللثام عن صفحة محذوفة في الترجمات الأوروبية من كتاب «القانون» لابن سينا، تتعلق بالنشوة الأنثوية، ويستشهد بجملة منه: «الحياة تقاس بزخمها، لا بأمدها».
في حكاية «ما الذي لم يخترعه الصينيون؟»، يجرّد هذه القائمة: «اكتشف الصينيون الشاي، واخترعوا البوصلة، وطواحين الماء، وطبعوا كتباً قبل ستة قرون من غوتنبرغ، واخترعوا الوخز بالإبر، والخزف، وكرة القدم، وأوراق اللعب، والمروحة اليدوية، ونعل الخيول، وفرشاة الأسنان». لعل هذه المدوّنة بأكملها أتت في هجاء أوروبا وأميركا، ومحاولتهما تزوير التاريخ، وإنكار إرث العالم الآخر. في توصيفه للحضارة العربية في الأندلس، يستعيد صورة ابن رشد، وأنوار قرطبة، والتسامح الديني، وترجمة العلوم، إلى أن جاء «جنود يسوع» ليطردوا المسلمين ويستولوا على الغنائم. هكذا سيفعل أحفاد كريستوف كولومبس بالهنود الحمر «الكائنات البهيمية التي تجهل الوصايا العشر».
لكن أنبياء المايا أعلنوا زمن الإذلال بقولهم: «سيأتون ليعلّموا الخوف. سيأتون لإخصاء الشمس». الغزاة من جهتهم تعلّموا التسامح، فالبطاطا التي كانت محرّمة في أوروبا، باعتبارها نبتاً شيطانياً، نالت شرعيتها لاحقاً، لأنّها أنقذت أوروبا في المجاعات، وكانت الفتوى المضادة: «إذا كانت البطاطا ليست من أمور الشيطان، فلماذا لم تُذكر في الكتاب المقدّس».
التاج البريطاني مجلّل بالعار، وهتلر يفتك باليهود والغجر، والاختلاف في الرأي يقود إلى منصة الإعدام. صورة سوداء لأوروبا الاستعمارية التي مزّقت خرائط الحضارات الأخرى، في أطول عبودية علنية في التاريخ: «بيع البشر كان أربح تجارة للإمبراطورية البريطانية»، يلاحظ المؤلّف.
ويتخيّل غليانو ظروف ولادة دول المشرق العربي، في حديث ينسبه إلى تشرشل: «الأردن كانت فكرة خطرت لي في الربيع، في حوالى الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر. الواقع أنه في شهر آذار (مارس) 1921، وخلال ثلاثة أيام، قام وزير المستعمرات البريطاني ومعاونوه الأربعون، باختراع خريطة جديدة للشرق الأوسط، خلقوا بلدين، عمدوهما، واختاروا ملكيهما ورسموا حدودهما بخط إصبع على الرمل. وأُطلقت تسمية عراق على الأراضي التي يحتضنها نهرا دجلة والفرات، طين الكتب الأولى، وتسمية أردن على البلد الجديد المقتطع من فلسطين»... ويضيف: «بينما كانت فرنسا تخترع لبنان، سلّم تشرشل إلى فيصل، الأمير التائه، تاج العراق. أما أخوه الأمير عبد الله، فكان ملك الأردن. الملكان كلاهما ينتميان إلى أسرة ضمت إلى الميزانية البريطانية بتوصية من لورنس العرب».
وسط هذا الجحيم، يوجه صاحب «المعانقات» تحية إلى شخصيات أنقذت الغرب من خزيه: ثرفانتس، وموليير، وبودلير، وفان غوغ، ووالت ويتمان، وداروين، وماركس، وهوغو، وكافكا. كأنّ غليانو هنا في حفلة لإماطة الأقنعة عن وجه التاريخ الرسمي. فالحادثة التاريخية، ليست مهمّة بحدّ ذاتها بل المجاز اللاحق، أو نص التأويل. محو ذاكرة مشوّهة، وكتابة ذاكرة أخرى تفضح وحشية المركزية الأوروبية، وتنتصر لذاكرة المغلوبين والجغرافيات المهمّشة، والأصوات الخافتة.