خلافاً لكلّ القراءات التي تمجّد النص الأنثوي في السعودية بوصفه فورة إبداعية مفارقة، تقف سالمة الموشي على الضفة المضادة، لتنسف الأطروحات المدائحية دفعة واحدة. في «الحريم الثقافي بين الثابت والمتحوّل» (دار نينوى ــ دمشق/ طبعة جديدة)، تطيح الباحثة السعودية الصنم الذكوري الذي سعى إلى مقاربة النص الأنثوي بأدواته، وتكريس نسق ثابت هو «ترسيخ التخلّف». لا تجد صاحبة «نساء تحت العرش» نصاً أنثوياً واحداً، حاول قرع الخزّان لإسماع صوته الخاص. على العكس، ترى أن هذا النص نتاج أيديولوجيا ذكوريّة، استعمل أدواتها للتعبير عن وجوده النرجسي في المقام الأول. وإذا بالكاتبة تحضر كنصّ صوتي، لا ككائن نسوي يجسّد حقيقة إنسانيّة واجتماعيّة.

لم يتزحزح الحريم الثقافي خطوة واحدة خارج قفصه التاريخي، كمحصّلة لترويض لغوي وثقافي متواصل، لطالما نظر إلى المرأة ككائن ظلّ مشوه، يقبع في الهامش. وعليه، تجد الموشي أنّ النص الأنثوي المحتفى به ذكورياً، ما هو إلا «سرد بكائي طويل»، ينتمي إلى رومانسية متجذرة في بيئة مقهورة ومستلَبَة.
هذا ما قاد النص الأنثوي إلى النوم في ذاكرة نسق الحريم الثقافي، والكتابة من وراء قناع مستورد من بيئات أخرى غالباً. فكان أن ظهرت نصوص مكمَّمة في غيتو مغلق، رغم الصخب النقدي الذي واكبها بتسامح مفرط. وإذا بنا، وفقاً لما تراه الموشي، أمام كتابة «عرض حالجية» من جهة، ونقد مجاني ينتمي إلى «زمن الطبطبة». لقد خضع صوت الكاتبة السعودية للتشذيب المتواصل، تحت وطأة قيم ذكورية متوارثة، أقصت أي انزياحات تغييرية تصادمية.
في سعيها إلى تأصيل نظرية نسوية تنهض على نسق مضاد، تضع المؤلفة نصوص الكاتبات السعوديات تحت معول الحفر والتفكيك، فلا تجد في النتيجة إبداعاً حقيقياً ونافراً ومستقلاً عن السلطة الأبوية. هكذا طُمست الأنا، من دون أن يُحل اللغز، لتكتفي المرأة بكتابة المحكي، بنبرة عاطفية واستجدائية، تتناسخ مع الآخر، بدلاً من مواجهته، وتفكيك آلية خطابه المتراكم.
ترصد سالمة الموشي خريطة نسوية بتضاريس متباينة، تمتزج فيها تجارب البدايات مع النصوص اللاحقة، لكنّها لا تلحظ فروقاً في وجهات الخطاب الأدبي، سواء في نصوص سميرة خاشقجي أو في نصوص زينب حنفي، وبدرية البشر، وليلى الجهني، ونجوى هاشم، ورجاء عالم... فهي «أشبه بالعرض المسرحي لحكاية وحيدة، يمثِّلها أشخاص مختلفون». هناك عالم مكوّر، وذات منكفئة لم تتمكن من خلق حراك إبداعي. كأنّ البوح مجرد كتابة للكتابة، وسرد نمطي لا يصدم القيم الراسخة، ونفي للذات الكاتبة.
في «انتصر النسق... وسقطت الذات»، ترصد الموشي أحوال النص المغلق. وترى في روايات رجاء عالم وأخريات صورة للجبرية الأنثوية، وتمثّلاً صريحاً لدور شهرزاد في إعادة ثقافة الفحولة، بتعبير عبد الله الغذامي في كتابه «المرأة واللغة». بين آليات النقد الثقافي الذي ينظّر له الغذامي، وكتابات فاطمة المرنيسي، تحاول الموشي أن تجد لنفسها موطئ قدم نقدياً. لكنّها ــ رغم جسارتها ــ تنزاح غالباً إلى المجاز لترميم العطب الأكاديمي الرصين في مناوشاتها النقدية، وخلطها للمصطلحات النقدية في مقارباتها التطبيقية للنصوص.
لعل هذه الجسارة هي التي قادت النقّاد السعوديين إلى رجم كتابها في طبعته الأولى عام 2005، وامتناع بعض المكتبات عن بيعه. أما النسخة الجديدة والمنقحة من الكتاب في طبعته الجديدة، فلا تقل وطأة هجومية عمّا كتبته أولاً. لكنّ الناقدة تضع نصوص الأدبي الأنثوي كلّها في سلة واحدة وتستعمل معولاً للهدم الكلي. لعلّها رغبت في أن تقارع الذكورية النقدية بفحولة مضادة، فأضاعت بوصلتها في منتصف الطريق.