يبدو تخصيص «الجزيرة» قناة خاصة لمصر كأنّه مكافأة على نجاح الثورة المصرية، وإن لم يتضح بعد ما إذا كانت محطة «الجزيرة مباشر مصر» قد أدّت إلى تطوير الاهتمام بالأحداث المصرية، أو أنّها على العكس سحبت الاهتمام بثورة النيل، بعيداً عن القناتين الأكثر سخونة «الجزيرة» والجزيرة مباشر». القناتان الأخيرتان مشغولتان بالثورات التي لم تكتمل بعد.


تهتم «الجزيرة مباشر» بالثورة اليمنية. أما «الجزيرة» الأم، فما زالت هلعة ترعى ثورات المهد، قلبها مع ليبيا واليمن، وعينها تلتفت عند الضرورة إلى الأردن وسوريا والجزائر، بعدما تخلت عن البحرين.
تبقى المحطة ذات الاسم الطويل «الجزيرة مباشر مصر» تجربة خاصة، يوازيها على نحو أقل الاستديو المباشر شبه اليومي للأحداث التونسية الهادئة. في «الجزيرة مباشر مصر» ، تبدو «ثورة 25 يناير» كأنها لا تزال محتدمة: هتافات «مش هانمشي، هو يمشي» ما زالت تدوي على شاشتها كأن مبارك لا يزال في القصر الجمهوري، والبروموات تشتعل بوقائع الصدام مع الأمن المركزي، وعمر سليمان يعلن كل ساعة بدلاً من مبارك «تخليه عن منصب رئيس الجمهورية، والله الموفق والمستعان». ثمة برومو واحد يحاول مد خيط تاريخي، حيث صورة سعد زغلول تعتلي جموع الأبيض والأسود مع صوت قديم «الاستقلال التام أو الموت الزؤام». الملك يرحل وعبد الناصر يعلن أن مصر لشعب مصر. السادات يهدّد بأنه لا يريد اتخاذ اجراءات ضد أولاده «المغرر بيهم». أما مبارك فيلقي بعبارة رديئة «تعليماتي للحكومة فتح المجال أمامها للتعبير عن رغبات المواطنين». الثورة تختتم ـــــ في البرومو ـــــ كل ذلك، مع رسم بالأحجار على أرض الميدان يجمع الهلال بالصليب مع الهتاف «أنا مصري مسلم ومسيحي».
ربما كانت اللقطات الساخنة ضرورة للحفاظ على صورة ثورة تبرد بطبيعتها وتنتقل من البسيط إلى المركب، من العدو المشترك إلى الأمراض الداخلية. لكن ذلك لا ينفي المشكلة الأخرى التي لا تتعلق بالثورة بقدر ما تتعلق بالقناة نفسها. قناة تبدو أقرب إلى ندوة ثقافية سياسية تمتد منها محطة مادتها الصورة الحية والنقل المباشر. تخصيص قناة للأحداث المصرية كان ينبغي أن يعني وجود كاميرا تتنقل من شارع إلى آخر ومن احتجاج إلى غيره. بدلاً من ذلك، «الجزيرة مباشر مصر» تتلخص في استديو ضيّق يستضيف سياسيين يحاورهم مذيعون مصريون استحضر معظمهم من المقر الرئيسي في قطر ليديروا نقاشات بين خصوم سياسيين. تبدو النقاشات حيوية لكنها لا تعكس فارقاً حقيقياً بينها وبين برنامج «مصر الثورة» الذي تذيعه «الجزيرة» الأم كل مساء بمذيعين من قطر وضيوف في القاهرة.
نتيجة لما سبق، جدول المحطة في منتهى البساطة والرتابة. ما تعرضه من بعد منتصف الليل إلى مساء اليوم التالي، هو محض إعادة لما عرضته من السابعة مساء إلى منتصف الليل. تتخلل الإعادات إعادات أخرى أكثر تكراراً لحوارات وجدت فيها المحطة أهمية خاصة. تتشابه الساعات فيبدو أن لا فارق بينها إلا في طبيعة المحاور ومدى إلمامه بالشأن السياسي. أحياناً، تصنع كاريزما الضيوف أو «الكيمياء» بينهم هذا الفارق بين ساعة بث وغيرها. عانت «الجزيرة» كثيراً من المنع أثناء عهد مبارك، لكنها لم تستفد حتى الآن من سقوط القيود في القاهرة.