في مجموعته الجديدة «تضع كرسياً أمام الباب وتنتظر لتأتي الطريق» (دار النهضة)، وهي الخامسة له بعد «المستلقي على طابقه الأرضي» و«حياة بدون فلتر» و«توقفوا، أريد أن أنزل» و«كلاب العزلة»، يواظب فوزي يمّين على إدهاشنا بنبرته الضارية وقصيدته الشعثاء. لا يلجم هذا الشاعر اللبناني معجمه عن قول الأفكار والاستعارات بتلقائية جارفة تمنح الشعر حرارة باتت مفتقدة في تجارب كثيرة يحسب أصحابها حساباً لكل كلمة ويتباهون بقصائدهم المضغوطة والمقتضبة.

الاقتضاب ليس محكوماً بالبرودة، والحرارة ليست لصيقة بالتلقائية، لكن تلقائية يمّين العذبة والجارحة تنجّي قصيدته من التكلف والتنميق، بل إنه يستخدم أحياناً فصحى دارجة ويومية، ويطارد الصورة المستهدفة حتى لو أدى ذلك إلى نثرية مفرطة. إنها قصائد «بلا فلتر» كما كانت حياة الشاعر في عنوان مجموعته الثانية. هناك شيء من البوهيمية والبدائية والرضى بالخسارة في حياة يُراد لها أن تُعاش بالطول والعرض. لا يتأخر يمّين في إعلان ذلك: «الحياة والموت شجرتان في حديقتي/ تنموان جنباً إلى جنب/ تتقاسمان الضوء نفسه الظل نفسه/ وأنا كل صباح/ حاملاً بيدي مياه عمري النضرة/ أسقيهما بالتساوي: نقطة هنا نقطة هناك».
الهدوء النسبي للمعنى في المقطع السابق لا يتعارض مع إقامة الشاعر في العاصفة: «بركان حزني القديم/ بعتُهُ إلى أصدقائي المقربين جداً/ وبسعره اشتريثُ عاصفةً بعيدة في مشتل الرياح». ولا تمنعه من قول «كلمته» الشعرية غير عابئ بتأمين أناقة مصطنعة لها: «تقول كلمتك ولا تمشي/ فقط تجلس/ ترطّب قفاك بالكسل/ ثم تستلقي ممدداً رجليك قدر المستطاع، وتحاول ضبط الحياة كقناة تلفزيونية». النبرة الشخصية والنَّفَس المتدفق حاضران في أغلب القصائد. يسترسل فوزي يمين في الكشف عن مزاجه الشعري، ويترافق ذلك مع استرسال في لغته. الاسترسال غير المقبول عادةً يتحول إلى رغبة جامحة في قول الأشياء كما هي، بينما يأمل الشاعر أن يتراءى الشعر الحقيقي داخل هذا الاسترسال كما تلمع عروق الذهب القليلة للمنقبِّين عنه في الرمال.
بالنسبة إلى صاحب «تضع كرسياً أمام الباب وتنتظر لتأتي الطريق»، الكتابة ترجمة مقترحة لطريقة في العيش يجري فيها تقليب الأفكار على مرأى من القارئ، ناقلةً إليه نهم الإقبال على الحياة ولذة تبديدها، بينما المذاق المُعدي للكلمات يجعل كل ذلك موحشاً وآسراً: «لست هنا لأُخبر/ ولا حتى عن نجمة فاضحة نازلة إلى الوادي أول الصبح، باكراً حين لا شيء في الشوارع غير هواء يتثاقل في مشيته كشحاذ ممزق منقوف الأسنان، والناس في بيوتهم نائمين يحلمون كأسماك في علب مائية، شخيرهم يوقظ البحر».
هناك طزاجة وحيوية في هذا الشعر غير المكترث بتقديم فروض الطاعة لأي نقد جاهز أو ذائقة تقليدية. شعرية فوزي يمين موجودة على الطريق الجانبية التي يسلكها بدلاً من الأوتوستراد العريض للشعر، حيث يستطيع أن يقول: «بمَ كان يفكر الليل/ حين التمعت سكاكينه في بال النهار/ وبمَ يفكر النهار/ حين ذهب الجميع إلى أشغالهم/ وبقي وحده في البيت؟»، أو يسهو قليلاً عن لغته الشرسة كي يكتب استعارة خالدةً في قصيدة «لقيط»: «هذا الضوء الصغير/ الذي ينكسر باكراً على غصن الشجرة ويتناثر فوق الأرض/ أين أهلُهْ؟».