الرباط | كأنّه يوم القيامة في الرباط، خلال تلك الوقفة الاحتجاجيّة التي جمعت أطيافاً من النادر أن تلتقي في مكان واحد: كتّاب، ومبدعون، ومثقّفون، ومغنّون، وممثلون اجتمعوا أمام مقر وزارة الثقافة المغربية لطرد بنسالم حميش من كرسي الوزارة. رغم الأمطار التي كانت تتساقط في الرباط يوم 8 آذار (مارس)، تجمّع أعضاء «اتحاد كتاب المغرب»، و«بيت الشعر» و«الائتلاف المغربي للثقافة والفنون»، ومنظمات أخرى بالعشرات أمام وزارة الثقافة مندّدين بما يشهده القطاع ـــــ حسب منظّمي الوقفة ـــــ من سوء إدارة ومزاجية في اتخاذ القرار يمارسهما وزير أطلقوا عليه صفة «مجنون الحكم». وهو عنوان رواية شهيرة لحميش، تحمل ملامح استشرافيّة مدهشة.

لم يكن يعرف حميش أنّ عناوين رواياته ستتحوّل إلى «صفات» تُطلق عليه كلّما حاول أحدهم انتقاده، أو حتى امتداحه. بعدما جاء إلى مكتب الوزارة إثر تعديل حكومي صيف 2009، استبشر الجميع خيراً بقدوم «العلامة» الفيلسوف الذي سيحرّك بركة الثقافة المغربية الراكدة. لكن حميش سرعان ما أصبح «مجنون الحكم»، وصارت وزارته «معذِّبة» المثقفين، كما ردّدت شعارات المشاركين في الاحتجاجات في إحالة إلى روايته «معذبتي» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لـ«بوكر» العربيّة ويعلن اسم الفائز، أو الفائزة بها مساء الاثنين المقبل في أبو ظبي. العلاقة بين حميش والمثقفين لم تعرف ولو شهر عسل قصيراً منذ وصوله إلى وزارة الثقافة. لكن الصراع عرف حالة من التصعيد خلال الدورة الأخيرة لـ«المعرض الدولي للكتاب والنشر» في الدار البيضاء. امتنع الوزير عن صرف تعويض المبدعين المغاربة المشاركين في المعرض، فشعروا بالإهانة، وهدّدوا بالانسحاب من «عرس الكتاب» كما يحبّ المغاربة تسميته. غير أنّ بعض التدخلات والتطمينات حالت دون انسحابهم. وقال الوزير يومها إن المسألة مجرّد «خطأ في التواصل»، إذ أساؤوا فهمه بعدما قرر تحويل التعويضات إلى حساباتهم المصرفية بدلاً من صرفها لهم في مظاريف داخل المعرض.
أزمة التعويضات لم تكن إلا بداية الأزمة بينه وبين مكوّنات مهمّة في الثقافة المغربية. الفنانون «لم يحصلوا على الدعم السنوي الذي كان يصرف لتغطيتهم الصحية، ولم يستكمل مشروع «قانون الفنان» الذي يمنح الفنانين المغاربة حقوقاً، وألغيت مشاريع كانت تحاول إصلاح وضع الفنان عموماً»، يقول رئيس «الائتلاف المغربي للثقافة والفنون» حسن النفالي لـ«الأخبار».
هيئات كـ«اتحاد كتاب المغرب» و«بيت الشعر» لم تحصل بدورها على المنح التي كانت تمكّنها من تنظيم ندوات وإصدار منشوراتها الخاصة. كذلك «استأثر بالقرار، وتعامل باستعلاء مع المثقفين ومع جزء من مكونات الثقافة المغربية» يشير الباحث والمفكر المغربي أحمد عصيد الذي شارك في الوقفة من أجل الاحتجاج على تهميش الوزير للمكوّن الأمازيغي في الثقافة المغربية. «هل يعقل أن تطبع الأعمال الكاملة لكتّاب مغاربة، فيما تُهمل الأمازيغية ومثقفوها؟ إذا كان حميش معادياً للثقافة الأمازيغية، فعليه الفصل بين مواقفه الشخصية وواجباته مسؤولاً عن إدارة القطاع الثقافي. وهذا الأمر أحدث قطيعة بينه وبين جميع المثقفين المغاربة» يضيف عصيد الذي كان يردّد الهتافات مع المعتصمين.
الشعارات اتهمت حميش بالمسؤولية المباشرة عن «تردّي الوضع الثقافي في المغرب»... «حميش dégage»، و«المثقف يريد رحيل الوزير»، و«الفنان يريد إسقاط الوزير»... شعارات تردّدت عشرات المرات أمام وزارة الثقافة التي كان موظفوها يطلّون من النوافذ.
موظفو الوزارة بدورهم يسرّبون للإعلام أخباراً عن كواليس إدارة الوزارة، وكيف أنّ بعض الموظفين الذين أتى بهم حميش مستشارين، يتسلّطون على باقي موظفي الوزارة. وقد دعت بعض نقابات موظفي وزارة الثقافة إلى وقفات الاحتجاج في السابق، فيما شارك بعضها الآخر في اعتصام الهيئات الثلاث.
محاولات حلّ الصراع بين حميش والهيئات وباقي المنظمات المشاركة في الاعتصام كلّها باءت بالفشل. عبد الواحد الراضي الكاتب العام لـ«حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» الذي ينتمي إليه الوزير، دعا الجهات المنظمة للوقفة إلى الجلوس إلى طاولة الحوار لحلّ الأزمة من أجل «تجاوز الإحراج الذي تسبب فيه حميش للحزب الذي يعيّن وزراء الثقافة منذ نهاية التسعينيات من داخل صفوفه»، وفق ما يؤكد مسؤول في «بيت الشعر» المغربي لـ«الأخبار». وقد رفضت الهيئات الجلوس مع الوزير، مبررة ذلك بأن لقاءً شبيهاً عُقد من قبل، لكنّ حميش تنصّل من كل وعوده. جمعيات متخرجي المعاهد التابعة للوزارة بدورها نددت بما وصفته بـ«التعيينات المشبوهة» لمتخرجين في الوزارة في إطار علاقات حزبية. وطالب هؤلاء بتشغيلهم، وبالحصول على «بطاقة الفنان» التي يمنحها لهم القانون، وترفض الوزارة منحهم إياها.
الجهات الداعية إلى الاحتجاج لن تقف عند هذا السقف من الاحتجاج والمطالب. بل تعمل على صوغ مذكّرة مفصّلة سترفع إلى الملك محمد السادس، ترصد مكامن الخلل في تدبير الشأن الثقافي المغربي، وتجاوزات بنسالم حميش كما يؤكد حسن النفالي. «محَن الوزير» حسب الهيئات الثلاث لا تزال مستمرة، والوقفة الاحتجاجيّة والمذكرة ليستا سوى أولى الخطوات من أجل «أن يرحل الوزير».