السذاجة السياسية التي تتسم بها مقاربة بوعلام صنصال لمسائل الصراع (والسلام) العربي ـ الإسرائيلي، ليست بالأمر المفاجئ بالنسبة إلى من يعرفون مواقف صنصال وأفكاره السياسية منذ أن برز على الساحة الثقافية الجزائرية، كأحد أهم «الكُتّاب الجدد» في بلد المليون شهيد مع مطلع الألفية الجديدة.


رغم الموهبة الأدبية الكبيرة التي برهن عنها منذ روايته الأولى «قسم البرابرة» (1999)، إلا أن مواقفه السياسية اتسمت بالكثير من الانتهازية وحبّ الظهور. فقد زعم مثلاً أنّه أُبعد من منصبه كخبير اقتصادي في وزارة الصناعة الجزائرية عام 2006، عقاباً له على نبرته النقدية تجاه النظام في كتابه المدوّي «البريد المتبقي: الجزائر، رسالة غضب وأمل إلى بني بلدي» (2006). ما حوّله إلى «بطل» في منظور الإعلام الفرنسي. لكن الصحف الجزائرية كشفت أنّ إقالة صنصال جاءت إثر تنحية «ولي نعمته»، أي وزير الصناعة الذي عينه مستشاراً اقتصادياً. بينما سلط مثقفون جزائريون، منهم الروائي الكبير رشيد بوجدرة، الضوء على التناقض الصارخ في مواقف صنصال الذي يزعم أنّه يعارض النظام وينتقد فساده، لكنه يقبل في الوقت ذاته بأن يكون مستشاراً في وزارة تعد أحد أبرز معاقل الفساد في البلاد!
واتضحت هذه السطحية السياسية أيضاً من خلال اليسارية والأفكار الثورية التي ينسبها صنصال لنفسه، في حين أنها ليست سوى ادعاءات متوهمة. لم يُعرف عنه أي انتماء حزبي أو نقابي يساري. مما جعل البعض يتهم صنصال بأنه يحاول من خلال هذه «اليسارية الفردية» التشبه بمثله الأعلى برنار هنري ليفي الذي يتشدق هو الآخر بأنه يساري، رغم أنه لم ينخرط يوماً في أي تنظيم حزبي أو نقابي!
ومع تنامي شهرة صنصال في فرنسا، سُلِّطت الأضواء أكثر على انتهازيته السياسية. لم يتردد في لعب دور «العربي الخادم». ورغم يساريته المزعومة، انساق وراء موجة الإسلاموفوبيا التي أحكمت قبضتها على فرنسا في العهد الساركوزي، وذهب في تصريح لمجلة «الاكسبرس» في آب (أغسطس) 2011، إلى حد القول بأنّ «الديانة الاسلامية أصبحت تشريعاً مرعباً لا يفرز سوى الممنوعات».
بالطبع، لا يمكن لكاتب يريد استقطاب أضواء الإعلام الفرنسي، ونيل رضا الاستبشمنت المهيمن، أن ينأى بنفسه عن منزلق التطبيع ومعازلة الصهيونية العالمية. هكذا اغتنم صنصال الحملة العالمية التي أُطلقت في آذار (مارس) 2008، من أجل مقاطعة «معرض باريس الدولي للكتاب» احتجاجاً على إصرار هذه التظاهرة الباريسية العريقة على اختيار الدولة العبرية ضيف شرف، احتفاءً بـ «الذكرى الستين لتأسيس اسرائيل». تلك المبادرة المثيرة للجدل، دفعت عشرات الكتاب والمثقفين، عرباً وأجانب، إلى إطلاق عريضة تطالب بمقاطعة المعرض لأنه يحتفي بكيان غاصب أقيم على حساب الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني. ورأى هؤلاء المثقفون أنّ تلك الحفاوة التي أُريد تخصيصها للذكرى الستينية لإسرائيل تعد «تكريساً للاحتلال» ولـ «إرهاب الدولة الذي يمارس على الفلسطينيين، منذ ستة عقود، من قبل الصهاينة والمتواطئين معهم». لكن بوعلام صنصال شذّ عن القاعدة، ورفض الانضمام الى حملة المقاطعة، كما فعلت غالبية الأصوات الثقافية العربية في باريس، مبرراً موقفه الملتبس بقوله: «أنا أمارس الأدب لا الحرب»!
وبلغ تملّق صنصال للصهيونية أوجه ليتخذ طابعاً بورنوغرافياً مقيتاً خلال زيارته الى القدس المحتلة، في أيار (مايو) الماضي («الأخبار» 12/5/2012). هناك، لم يكتف بالمشاركة في النشاط الثقافي الذي دُعي إليه من قبل «المعهد الفرنسي»، بل أقدم على خطوة ملتبسة تمثلت في زيارته حائط المبكى، معتمراً القبعة اليهودية، ومحاطاً بكاميرات التلفزيونات الفرنسية. وقد أدلى بتصريحات طفولية قال فيها إنه فوجئ حين اكتشف أن المواطنين الإسرائيليين «أناس عاديون ومسالمون، رأيتُ بينهم أطفالاً رائعين يلعبون ببراءة في شوارع المدينة المقدّسة»!