لم يتغير ريمون جبارة. لا يزال يستثمر تلك الكوميديا السوداء والساخرة في تأليف أعماله. لا يهمّ إن كان الحدث المسرحي معقّداً أو بسيطاً، أو كانت الشخصيات كثيرة أو قليلة. في الحالتين، هناك مهارة أسلوبية تسري في كل شيء يتناوله المخرج اللبناني المخضرم، الذي يعرف كيف يجعل الكتابة المسرحية مساوية تقريباً للعرض الناتج عنها، حيث يستبعد «الأدب» وبلاغته الإنشائية الخالية من الفعل والحركة ودقة الاستلام والتسليم في الحوارات، فيتراءى لنا أنّ العرض يتألف أمامنا، وأن ما يفعله الممثلون نوع من الارتجال الفوري. في «مقتل إن وأخواتها» التي تقدَّم على خشبة «مسرح مونو»، نتذوق مجدداً مناخات العبث والسريالية التي سادت في أغلب أعماله السابقة، لكنها مطعّمة بجرعات واقعية أكثر هذه المرة. يخلط جبارة العبث المسرحي مع عبثية محلية طالعة من الحياة اللبنانية اليومية.


يتضاءل الترميز لمصلحة السرد والاسترسال، لكن العرض لا يغادر مربع السهل – الممتنع. إنها حكاية الصبي «اللي عملها تحتو» في المدرسة، والأب الذي يُضطرّ إلى البقاء ساعة في مكتب السكرتيرة، ريثما تنقضي ساعة الحجز الذي أُنزل كقصاص بالابن. مصادفة قدرية مثل هذه ستجمع الأب (غبريال يمين) مع دكتور الألسنية واللغات (رفعت طربيه)، الذي طُرد من وظيفته وينتظر الفرصة لإصلاح الأمر مع الراهبة مديرة المدرسة. هي لحظة «ريمونجبارية» اعتدناها في عروض سابقة، حيث يتكفل سوء الفهم بقيادة الحوار بين الأب البسيط، الذي يعمل سمكرياً، والدكتور صاحب الثقافة الموسوعية واللغة الخشبية في آن واحد. سوء الفهم يتعزز أكثر حين نعرف أنّ السكرتيرة (جوليا قصار)هي ممثلة مسرحية لم تحصل على فرصة مناسبة، بينما تُختتم دائرة العبث باختيار المخرج لممثل في دور المديرة (أنطوان الأشقر). سوء الفهم يُنتج فلسفة ومواقف لا معقولة داخل العرض المصنوع من تفاصيل صغيرة تتصاعد في لقاء الشخصيات الثلاث، إلى جانب إطلالات هزلية وصامتة لمديرة المدرسة. القصص والمواقف تتوالد من بعضها البعض. الأب الغارق في الديون يصطدم بغرابة أطوار الدكتور، الذي تتحول لغته إلى نوع من النقّ على الواقع اللبناني. الخشبة الخالية إلا من مكتب السكرتيرة ومقعد خشبي يتناوب عليه الدكتور والأب، تجعل الحدث قابلاً للحدوث لشخصيات أخرى في أي مكان آخر. الحدث الأساسي (تغوّط الابن في ثيابه) هو مجرد ذريعة لهذا اللقاء القَدَري، بينما مذاق النهاية لن يختلف في الأثر المأساوي والطعم المرير على الأب والدكتور، إذْ يتواصل ضغط الثاني على الأول بنقد الظواهر السلبية في المجتمع اللبناني، بينما الثاني يسايره ببساطته، ويتلقى في الوقت نفسه اتصالات متوالية من زوجته، التي تخبره في الاتصال الأخير عن قرار بالحجز على بيته، فيقوم بخنق الدكتور في اللحظة التي يحاول فيها الأخير أن يخبره حكاية «إنّ وأخواتها». هكذا، ينتهي العرض بموت الدكتور، وانتظار الأب وصول الشرطة للقبض عليه، لكن ليس قبل أن يحقق الدكتور أمنيته بإلقاء خطاب على الجمهور، متخيلاً ممثلي الرؤساء الثلاثة في الصف الأول. الخطاب يأخذ العرض إلى ذروة العبث الممزوج بنكهة شعبية محلية. قد يذكّرنا ذلك بمشهد شهير من مسرحية «الكراسي» ليوجين يونيسكو، وقد نضع ذلك إلى جوار تأثيرات طفيفة من بيكيت وأرابال، لكن جبارة لا يفصل شخصياته عن الواقع والمنطق. هكذا، يصبح في استطاعة هؤلاء أن يكونوا كائنات تشيخوفية غارقة في مواطنيتها البائسة، وأقدارها التراجيدية. قوة العرض موجودة في عزلة الشخصيات التي تزداد كلما اقتربت الخاتمة. جبارة مبدعٌ كالعادة في كتابة حوارات قصيرة وذكية، مازجاً سخطه الشخصي على العالم بخلاصات فلسفية عن الموت والحياة، بينما الممثلون يتلقفون ذلك بسرعة لافتة وجودة أدائية عالية. ريمون جبارة عبثيٌّ حتى الصميم. الجانب الإنساني الحاضر بكثافة لدى الشخصيات يُبعده أحياناً إلى أطراف مسرح العبث، لكن سخريته وسوداويته تعيدانه إلى قلب هذا المسرح مجدداً.