ليل الأحد الماضي، توجّهنا إلى «مسرح مونو» لإجراء دردشة مع الممثلين المشاركين في مسرحية ريمون جبارة الجديدة «مقتل إن وأخواتها». كان الهدف الحديث عن جبارة والممثلين جوليا قصار، ورفعت طربيه، وغابريال يمين الذين رافقوا المخرج المخضرم في أعماله، خصوصاً أنّ الأخير تعرّض لحادث حال دون حضوره إلى المسرح. لكن وسط الدردشة مع جوليا قصّار، وصل جبارة لأنّه أبى أن يغيب عن العرض الأول. وحين سألته الممثلة اللبنانية عن كيفية تبرير عدم صعوده إلى الخشبة الليلة في نهاية العرض، أجابها: «قوليلهم إنّي ما قدرت إجي»، فضحك الجميع.


خلال عروض «مقتل إن وأخواتها» التي قدمت السنة الماضية في «جامعة اللويزة»، كانت جوليا في نهاية كل عرض ـ بطلب من ريمون جبارة ـ تقول للجمهور إنّه لن يستطيع الصعود إلى المسرح لأنّه كسر رجله خلال تدريباته استعداداً للألعاب الأولمبية! بالسخرية ذاتها، يتحدّث الابن الرهيب للمسرح اللبناني عن الشلل النصفي الذي أصابه منذ زمن. إنّها أيضاً السخرية التي تخيّم على أعماله. تذكّرنا جوليا بجملته: «عملت مسرح لأني ما بعرف أعمل سمكري. المسرح أهين بكتير».
يتفق الممثلون الثلاثة على أسلوب ريمون جبارة (1935) السهل الممتنع. لم يكتب يوماً نصاً كاملاً قبل البدء بالعمل على الخشبة. ورقة واحدة قد تكون كافية، فالمسرحية موجودة في رأسه، يراها بوضوح. أما خلال التمارين، فيضيف المقاطع والنصوص، لتكتمل المسرحية. يقول جبارة لـ«الأخبار»: «أسمّي نصوصي مشروع مسرح». خلال الكتابة، يختار الممثلين الذين يود العمل معهم، ويكتب لهم النصوص. يقول صاحب «زردشت صار كلباً»: «المشكلة في نصوص المسرح العربي أنّ المؤلّف يكتب لجميع شخصيات المسرحية بلسانه هو. أما أنا فأكتب لكلّ شخصية بحد ذاتها، لأنني أعرفها».
تخبرنا جوليا أنّه المخرج الوحيد الذي لا تسأله عن النص قبل بدء العمل معه. ترى أنّ لريمون لغة وأسلوباً خاصاً لم تجد له مثيلاً في العالم العربي. «نصه لا يحتاج إلى إذن كي يجتاح المشاهد، يدخل سريعاً إلى القلب. ويخلو من الثرثرة التي تسيطر على النصوص العربية عامة». ومن الهموم اليومية والعامة، يبني شحناً متواصلاً خلال العرض. تتفجر التراجيديا التي لا تخلو من السوداوية والسخرية والمرارة. ومسرح ريمون جبارة يستند إلى عنصرين أساسيين: النص، والممثل. لا مؤثرات، ولا سينوغرافيا معقدة، ولا إبهار بصرياً، بل إيمان كبير بقدرة الممثل، والنص الذي يحمله.
رفعت طربيه الذي لم يغب عن المشاركة في عروض ريمون منذ العام ١٩٧٦ باستثناء مرات قليلة، يجد في ريمون جبارة رجل مسرح متكاملاً: ممثل، ومخرج، وكاتب. «هو يعلم كيف يكتب نصه كممثل يتقن منطق التمثيل، وقادر على رؤية الإخراج. يبني علاقة قريبة مع ممثلين محددين، ويعيد العمل معهم في عروض عدة، فيكتب لهم، مع مادونا، ورضا خوري، وفيليب عقيقي وغيرهم. كانوا ينادوننا بـ «قرطة ريمون»، ونحن كنا ضدهم» يقولها بسخرية مضيفاً: «تكمن أهمية ريمون جبارة في أنّه قلب مفاهيم المسرح في لبنان منذ أن بدأ العمل في أوائل السبعينيات حتى قبل أن يؤسس أنطوان ولطيفة ملتقى «حلقة المسرح اللبناني» وما زال يبحث عن ذلك حتى الآن. إنه من مؤسسي المسرح العبثي في لبنان، والعبث ليس بعيداً عن حياته الشخصية. كذلك في أعماله، تجد أسلوب المسرح ضمن المسرح، ويعتبر من الذين حرروا الممثل على خشبة المسرح. إنه ظاهرة لن تتكرر في لبنان، ولا يمكن حتى مقارنته بوجوه في العالم العربي. يجب وضعه في مصاف مسرحيّ القرن العشرين في العالم. تكريمه هو تكريم للمسرح اللبناني».
من جهته، يحدّثنا غابريال يمين عن «مسرح كُتِب عن الإنسان، وأوجاعه، وأفراحه، وحزنه، وجوعه. إنه ليس مسرح الرسالة، لأنّ ليس للمسرح أن يقدم رسالة أو عبرة. مسرح ريمون جبارة هو مسرح قضية الإنسان. لذلك، فإنّ أي عمل مسرحي له، ولو كتب منذ سنين، ما زال يحفر في جرح الإنسانية حتى اليوم».
عندما يخبرنا ريمون جبارة عن أولى تجاربه في الإخراج، يتذكر كيف وصفه أصدقاؤه المخرجون بـ«المجنون» لأنّه قرر وضع أربع دقائق صمت في وسط مسرحية «لتمُت ديسدمونه» (1970). ريمون جبارة يعشق الصمت في المسرح. صمت تعلمه من عازف آلة البزق البدويّ مطر محمد: في خضم غرقه في العزف، كان محمد يختار التوقف، ويروح مكلماً آلته. ولما سأله جبارة مرةً مَن يكلم، أجابه أنّ عند «النَوَر» عادةً تقضي بدفن صرّة الابن داخل آلة البزق. قال له مطر محمد: «هكذا فعل أبي معي، وأنا مع ابني. فإني أكلم صرّة ابني». يقول جبارة: «لم أتعلم المسرح، وليس عندي شهادات سوى بكالوريوس أولى. لكن مثلما شعرت، فعلت. هكذا أكتب نصوص المسرح في أحد مقاهي قرنة شهوان، هناك مكتبي، وعلى دفتري الذي لا أستطيع أن أثبته بيدي الأخرى، أكتب بـ«الورب». حتى أنني غالباً ما أكمل الجملة على الطاولة البيضاء، فيأتي غابي (غابريال يمين) لنقل الكلمات عن الطاولة. نحن منعمل مسرح لنتسلى». هذا ما يوافقه عليه جميع الممثلين: التسلية والمرح أساس العمل مع صاحب «صانع الأحلام». في مسرح ريمون، تكمن المتعة في ذلك الشعور بخطر الوقوف على خشبته، يؤكد طربيه. أما صاحب «دكر النحل»، فينتظر لحظة يخطئ فيها أحد الممثلين على المسرح، ليضحك.
عن مسرحيته الجديدة «مقتل إنّ وأخواتها»، يقول جبارة بسخرية إنّه كان يود العمل مع لاعب كرة القدم مارادونا، لكن بما أنه لم يكن لديه المال الكافي لجلبه، فقد اختار العمل مع ثلاثة ممثلين جيدين. إنه «عمل عن ذلك المجتمع الذي يحتلّه أصحاب «الدال نقطة» (دكاترة)، ولم يعد للإنسان العادي مكان فيه. عمل عن الإنسان، وعن جزء منّي، كما في جميع النصوص التي كتبتها».
على درج «مسرح مونو»، وفي كرسيه المدولب، وسيجارة في يده، نظر ريمون جبارة إلى غبريال يمين وقال له: «غابي، هاي الجملة يلي بتقولها بالمسرحية «أنا رح حب مرتي بعد ما موت، أكتر». أنا بحس هيك». يصمت، تظهر دمعة في عينه، فيمسحها سريعاً باليد الذي ما زال يستطيع تحريكها.
في ختام الحديث مع الممثلين، ترى جوليا أنّ السخرية عند صاحب «بيكنيك ع خطوط التماس» تزداد مع السوداوية في آن، كأنه ما عاد يريد المهادنة، لا بل التصادم. كذلك، يرى رفعت طربيه أنّ المنحى الإنساني في أعماله الأخيرة أصبح أقوى. لا يمكنه تخيّل جبارة متوقفاً عن الكتابة، فهو يتنفس المسرح. كذلك غابريال يمين، الممثل والصديق المقرّب جداً من ريمون يقول «المهم يضل يكتب، يضل يعمل مسرح». عند إنتهاء عرض «مقتل إنّ وأخواتها، سوف يعود ريمون جبارة إلى المقهى ذاته في قرنة شهوان، حيث كرسيه وطاولته، وحيث خُصصت له زاوية سُمح له بالتدخين فيها، ليبدأ كتابة مسرحية جديدة.




«مقتل إن وأخواتها»: حتى 23 كانون الأول (ديسمبر) ــ «مسرح مونو» (الأشرفية ـ بيروت) ـ للاستعلام: 01/202422