لا تزال تتواصل الحملة على المسلسل التركي الشهير «القرن العظيم» المعروف في العالم العربي باسم «حريم السلطان»، مهددة بوقف عرضه في العام المقبل. غضب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من العمل الذي يعد أحد أضخم الإنتاجات الفنية التركية، لم يقتصر على انتقاده خلال مهرجان شعبي في مدينة كوتاهية نهاية الشهر الماضي، معتبراً أنه «لا يعكس حقيقة تاريخ السلطان سليمان القانوني»، بل وصل إلى حد مطالبة القضاء باتخاذ موقف منه. وبالفعل، أسفرت «هستيريا» أردوغان عن إعداد مسودة قانون ووضعها قيد الدرس لمنع إنتاج المسلسلات التي ترى الحكومة أنّها «تتعارض أو تشوّه التاريخ أو عادات المجتمع التركي وتقاليده»، الأمر الذي اعتبرته المعارضة «موجة جديدة من التضييق على الحريات المستمرة منذ أكثر من عامين» بقيادة رئيس حزب «العدالة والتنمية» الاسلامي. وعلى الرغم من أن العمل الذي يصوّر الحياة داخل حرم أهم السلاطين الذين تربّعوا على عرش الإمبراطوريّة العثمانية ألقى نظرة خاطفة وسطحية على تاريخ كبير من دون الاستناد إلى دراسات تاريخية معمّقة (الأخبار 17/8/2012)، إلا أن ذلك لا يعطي أردوغان ــ أو غيره ــ الحق في ربط السياسة بالفنّ وتحويل القضاء إلى أداة في خدمة أي سلطة.


لا يخيّل لأحد أنّ «بدعة» أردوغان جاءت بعد ساعات طويلة أمضاها أمام الشاشة الفضيّة يحلل أحداث المسلسل. مخاوف جوهرية ولدت في الشارع التركي، وخصوصاً بين صفوف الفنانين والصحافيين الذين ربطوا موقف أردوغان بتوصية قدّمها إليه «صديقه العزيز» الرئيس المصري محمد مرسي خلال لقائهما في القاهرة الشهر الماضي. ونقلت الصحافية التركية ناغيهان ألتشي، المقربة من الحزب الحاكم، عن مسؤول يعمل مع أردوغان أنّ مرسي عاتب ضيفه بسبب المسلسل الذي لم يكن أردوغان قد شاهد أياً من حلقاته. «سي مرسي» وجد أنّ من «غير اللائق» تصوير السلاطين العثمانيين بهذه الصورة، وأنّ التاريخ العثماني «جزء من تاريخ الأمة الإسلامية الذي يعتز به المسلمون جميعاً»، وهو تقريباً ما كرّره أردوغان في محاضرته! وهنا يبدي متابعون تخوّفهم من طبيعة العلاقة المستقبلية بين أردوغان و«الإخوان المسلمين» في مصر في الوقت الذي دعم رئيس الوزراء التركي محمد مرسي خلال الأزمة الأخيرة واصفاً المتظاهرين بـ«الإنقلابيين».
يبدو أنّ أردوغان ينوي استكمال ما بدأه من تقييد حرية الصحافة والإعلام عبر استحداث قانون يراقب الإنتاج الفني، في حين أثنى على الفيلم السينمائي «فتح 1453»، متغاضياً عن سماح السلطان محمد الفاتح للجنود العثمانيين باستباحة القسطنطينيّة لثلاثة أيام. إذاً، يوماً بعد يوم، يظهر للعالم أنّ أسطورة «النموذج التركي» ليس سوى «مزحة»، سرعان ما بدأ يعلن عن نواياه مع صعود الحركات الإسلامية إلى الحكم في بلاد «الربيع العربي».