«أصلح نفسك، وسيقل عدد الخونة... واحداً» (برنارد شو).

أنا لست عسكرياً، لكنني عشت حروباً، وعاشرت عسكريين وقرأت كتباً. وذات جلسة مع عدد من الضباط برتب عالية، جرى حديث عن «المعركة الفاصلة» مع اسرائيل، ولم أتدخّل إلا في النهاية. قال لي أحدهم: «مدني وبتفهم بالعسكرية؟»، فقلت له: «أيّ مدني جار لإسرائيل، مثلنا نحن السوريين، يجب أن يفهم بالعسكرية، فالعسكرية ثقافة المعركة السياسية».

كان جيلنا يهتم بكل شيء، لكن، للأسف، بدون طائل. وأعتقد أنّ العسكريين العرب اقتنعوا بأنه لا فائدة من ثقافة عسكرية يمارس عكسها في الحرب، كفن، ويُشغل عنها في الحياة كممارسة لشؤون أخرى منها «الحصول على بعض الحمّص في زحمة الموالد كي لا يخرج العسكري نهائياً من «المولد بلا حمّص» حين تحولت البلاد إلى حقل استثمار خارج القانون. لم نكن نعلم ما يخبئة لنا قدر شرقي المتوسط، والجغرافيا، من مفاجآت الاستبداد، وانتباه «قوى الشر» إلى أهميتنا التي بلغت هذه الدرجة من النيران، حارقة المدن والغابات والبشر!
لكن ذلك حدث، فلنفكر في ما نحن فيه! اليوم نحن بحاجة إلى كلاوزفيتز عربي يفهمنا، ويشرح لنا الفقه العسكري كي نستطيع فهم هذه المعارك الطاحنة في سوريا، حيث لم يعد مهماً ذلك النقاش، الشديد العقم حول سلمية «الثورة» أو عسكرتها. النقاش الذي يخوضه سياسيون يقرأون الواقع في الكتب الموجزة، ومثقفون مشغولون فجأة بالموقف المصيري من «الحرية والاستبداد» على طريقة رعاة البقر: «إما أن تتلو صلاتك أو تحفر قبرك»! مشاهداتي لما يجري على الأرض (عسكرياً) تجعلني «مفطور القلب، دامع العينين» كما تقول محفوظات لحظة الأسى. سأتحدث عن معركتين بين الجيش الحر والجيش النظامي. سموها معارك (هي، بالتأكيد، ونظراً إلى صعوبة تصنيفها اشتباكات). إحداهما معركة جبل النبي يونس (ثالث أعلى قمة في سوريا، منطقة صلنفة، اللاذقية) وهناك قبر يعتقد الناس أنّ النبي مدفون فيه. أنا من تلك المنطقة، وأعرفها. ولي مع هذه القمة ذكريات. فيها نوع من الصخور المنحوتة كتماثيل لا تحتاج إلى إزميل فنان إضافي لينطق الحجر، والطريق إلى القمة يطل على سهل الغاب وجبل الزاوية. ثمة تجمّع لهذه التماثيل كأنما في ساحة رومانية شاسعة، كأن التماثيل قد تداعت لاجتماع، ولم ينفض هذا الاجتماع، كأنهم ماتوا وتجمدوا من البرد، والثلوج السنوية تكفلت بنحت الزوائد من ثياب الكهنة الرمادية التي ارتدوها. وفي لحظة الرغبة في تسمية المشهد، سـميته «مجمّع الكرادلة» (مفردها كاردينال) لأنّ المهابة والجلال والجمود الناطق، صفات لحركة الحجر!
لا أدري كيف اتخذ قادة الجيش الحرّ (أو لا أدري من) قرار احتلال هذه القمة بالزحف عليها على نحو مكشوف، وبمسيرة طويلة منهكة. ولا أدري ما أهمية الهدف، وهو احتلال قمة أخرى أكثر ارتفاعاً (عليها محطة تقوية للبث التلفزيوني). ولا أدري، كيف فكروا في إمكانية الاحتفاظ بالموقع، حتى لو جرى احتلاله بسهولة، فأي هجوم مضاد سيبيد الجميع! طبعاً لا يمكن التكهن بطبيعة الحالة النفسية لهؤلاء الشبان الذين ينفذون العمليات، ولا نوع إرادة القتال (الدافع الأقصى). لكن الواضح أنّ ثمة دافعاً قوياً يجعلهم يذهبون إلى ميدان معركة من هذا النوع، ثم يتكفل التوريط في القتال الإجباري بما تبقى، أي استمرار المعركة دفاعاً عن الحياة! (معارك النجاة أشرس المعارك). ليس صعباً تخيّل ما حدث: وحدات نظامية خاصة في الجبل حفرت وتمركزت واستعدت. أسلحة وذخيرة وحصون من الصخور (مجمّع الكرادلة لا نعرف مع من كانوا عسكرياً؟) طائرات هليكوبتر. مدفعية من بعيد إلى آخر ترسانة دفاع محكم، محضر مسبقاً، وفق الاحتمالات!
بعد محاولات لاحتلال الموقع، تبين أنّ النتيجة الوحيدة (المؤسفة طبعاً) مجزرة! لا داعي إلى تقويم الأداء العسكري لهذه القوى، لكن ذلك يدل على أنّ القتال الدائر في سوريا، لا يمكنه بلوغ هدفه بهذه الطريقة: سيموت كثيرون على يد قوات النظام، وسيموت كثيرون على يد المسلحين، ثم يجري تقويم النتيجة على ضوء هذه الجملة «الاستراتيجية» (الحرب كرّ وفرّ!) وحين يصغي كلاوزفيتز إلى ذلك ويراه، يعجز عن تخيّل مسرح العمليات. سيلتبس الأمر بين حصان ودبابة، بين صحراء نيفادا وحارة الميدان، بين قائد فيلق، ومجموعة أبو إبراهيم!
ثمة المعركة الأخرى، قبل أشهر. معركة تحرير دمشق!
لن أتحدث عنها، لكن المؤسف أنّ بين الضحايا في هذه المعركة التي اختارها الجيش الحر (إحدى بواباتها قريبة من أعقد نقاط دفاع النظام عن نفسه، المزة ـ أوتوستراد ـ كفرسوسة)، بيوت طينية للفلاحين، وحقول بديعة من الصبّار وعدد غير معروف من الشبان الذين فقدوا أرواحهم، في معركة توريط حقيقي!
أما معارك المدن المختلفة، فمشهد الدمار يدل على نوعيتها، وعلى أهداف طرفي الصراع، وطبيعة الأدوات المستخدمة! ولم يعد بوسع أحد أن يعرف أي شيء سوى هذه المعادلة الكارثية الساذجة التي بصمناها بصماً: النظام سيدافع عن نفسه حتى آخر رجل ورصاصة ومكان. والمعارضة المسلحة مصرّة على إسقاطه، ولو لم يبق سوى أمل بنسبة واحد بالألف! أنا أفهم الاثنين! وكلنا يعرف أنّ الرهان هو على تدخّل خارجي عسكري. أفهم الجيش الحر، والكتائب العشوائية، ومسلّحي الحواجز الطيارة، ويمكن فهم ضلال القادة العسكريين وتضليلهم لمسلحيهم، لكن ما من عاقل سيوافق على دمار بلد مثل سوريا، طريقاً، ليس إلى الحرية، بل إلى الله!
وفي الوقت نفسه، بصراحة، لا يمكن فهم هذه الكمية من الاستهتار السياسي والأخلاقي الذي يمارسه قادة المعارضة، وخصوصاً «مجمع الكرادلة» الجديد (الائتلاف الوطني) حين قالوا، في بيان طويل فقط كلمتين: «السلاح. لا حوار». ثمة أوهام قاتلة وعسكرية: مئات الصواريخ المضادة للطائرات من فصيلة «سـتينغر» لا تعني تأليف منظومة دفاع جوي. أما الحوار، فهو آت لا بد منه. بهذه القناعة، أرجو توفير 100 ألف ضحية مضافة إلى المئة ألف الأخرى السابقة قائلاً مع القائلين: هل أنتم صانعو تاريخ أم تجار توابيت؟!
* شاعر وكاتب سوري