الآن، بات بإمكاننا إضافة مفردة «الحاجز» إلى يومياتنا بثقة. الحاجز بأكياس الرمل وفوهات البنادق، ونظرة العسكري المرتابة بك، وهو يقارن بين هيئتك في صورة البطاقة الشخصية، وملامحك الغامضة من وراء زجاج النافذة المفتوحة للسيارة. الحاجز الذي لم يلفت انتباهنا في حروب الآخرين إلا كمشهد عابر يقود إلى ما بعده.

هناك ملحق آخر يستدعيه الحاجز أيضاً، يتعلق بالاختطاف إلى جهة مجهولة كآخر سجل للأحياء قبل أن يُسجّلوا في قوائم المفقودين.

■ ■ ■


عند الحاجز، عليك أن تتعلّم فضيلة الصبر. الانتظارات الطويلة المضجرة تستدعي مشاهد قديمة لا تخصّ شريط الرعب اليومي. الرتل الطويل للسيارات تحت جسر المحلِّق الجنوبي، أو عند تقاطع نهر عيشة- الميدان، أو باب شرقي، سوف يستدعي أيضاً، فكرة وجود قنبلة موقوتة، في سيارة ما، ستفكّر في ذلك مرغماً، ولن تجد وسيلةً للنجاة وسط هذا الزحام، بإمكانك فقط، أن تتخيّل مشهد فوضى طيران الأجساد إلى السماء، بأكثر الأشكال بربرية.

■ ■ ■


الصعوبة تكمن في وصف المعادن، الحديد على نحو خاص. الحديد مخلوطاً بالفولاذ والنحاس، وغبار الطلقات الفارغة. الحديد الذي كان يذهب طوعاً، إلى قوائم الأسرّة الريفيّة، وقضبان النوافذ، والأبواب، ومضخات المياه، وسكك حديد القطارات. للحديد اليوم وظيفة واحدة هي صناعة السلاح. الحديد يغوص عميقاً في اللحم في تجارب كيميائية معقّدة، يصعب تقدير نتائجها بدقة، لحظة ارتطام القذيفة بالجسد المذعور.

■ ■ ■


لقد اعتدت أصوات الغربان تزدحم عند نافذة غرفتي كل صباح.
الآن عليّ أن أنصت بإمعان لاكتشاف الفرق بين صوت الحوّامات، وأصوات الغربان. ما يفوتني بالطبع صوت ارتطام القذيفة بالهدف، أقصد صعوبة مزج كل هذه الأصوات المتنافرة في هارموني واحد. لا شك في أنّ الحفلة تحتاج إلى مايسترو حاذق لكتابة نوتة صحيحة.

■ ■ ■


هذه البلاد ذاهبة إلى الجحيم بلا شك. لم يعد بمقدورنا الإنصات إلى حكايات الموتى بالدهشة التي كانت تنتاب حواسّنا قبل أشهر فقط، لفرط تشابه الحوادث وتكرارها. لا تهمّ طريقة القتل بغياب النّاجين، لكن لنفترض أنّ أحدهم نجا بالمصادفة وحدها من مجزرة حدثت للتو، أو حادثة اختطاف. ليس بوسعه أن يصف ما حدث بدقة، فلكل ضحية طريقتها في السرد، وحصتها من منسوب الأدرينالين.

■ ■ ■


في هذه البلاد، ليس للموت عطلة. على العكس تماماً، في يومي الجمعة والسبت، تعمل آلة القتل بورديات إضافيّة. على الأرجح، فإنّ من يقف على خط النار يفكّر بإجازة، وبناءً على هذه الفكرة، فهو يرغب في أن ينظّف المكان من الأحياء على عجل.

■ ■ ■


إنها تمطر في الخارج.
ليس بوسعي أن أتكلّم بحميمية عن المطر، أو أن أستعير إيقاعات بدر شاكر السيّاب في هذا الشأن: «مطر، مطر، مطر». أفكّر في كيفية امتزاج ماء المطر الأول ببقايا الدم الجاف في الشوارع، من دون شهقات الضحايا.

■ ■ ■


في معرّة النعمان، لم يجد المقاتلون مكاناً أفضل من المتحف للاحتماء به من القذائف. وعلى مقربة من تماثيل الآلهة الرومانية القديمة وفسيفساء أفاميا، كان أحمد بن عبد الله بن سليمان القضاعي التنوخي، المعروف باسم أبي العلاء المعري منهمكاً في كتابة نسخة جديدة من «رسالة الغفران». توقّف طويلاً أمام عبارة كتبها في القرن الحادي عشر، ووجد أنها صالحة إلى اليوم «اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا دين وآخر دَيِّنٌ لا عقل له». كان «رهين المحبسين» في حيرة من أمره: «هل كان عدد ضحايا المجزرة الأخيرة في معرّة النعمان 49 قتيلاً، أم 50 قتيلاً، ذلك أن نشرات الأخبار لم تتفق على الحصيلة النهائية للضحايا، وحين اشتدّت أصوات الانفجارات صرخ غاضباً: «خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد»، لكنّ أحداً لم ينصت إليه.

■ ■ ■


لا طريق سالكة إلى الأقاليم البعيدة، وسط كلّ هذه الحواجز التي تشبه متاهة يصعب اكتشاف طريق النجاة فيها. الشارع محاط بالمتاريس والجنود المدججين بالريبة والشبهات. دعاء الأمهات يصل متقطّعاً عبر أسلاك الهاتف مثل حياتنا تماماً.