الله في الوجه.

في صورة الوجه.
قبل أن يموت الإنسانُ الأوّل كان الله فيه كلّه.
بعدما صار يموت انحسر الله عن الجسد وانحصر في الوجه.
في صورة الوجه.
لأنّ الإنسان صار يتوالد بعد اكتشاف المرأة.
لأنّه قبل ذلك كان خالداً كسائر الآلهةِ وغير ذي حاجة.
ليست المرأةُ مَنْ كسر الإنسان بل الحبّ.
المرأةُ بلسمٌ لجرح الكسر.
المرأةُ صورةُ وجهها.
الله في صورة وجه المرأةِ أكثر ممّا هو في السماء ووجوه الأرض.

■ ■ ■


حين نمتدح الجوهر وننتقد المظهر هل نكون دوماً صادقين؟
لا، طبعاً.
لا الظاهر وحده ولا الباطن وحده بل اختلاطهما. الشكل حيث هو إغراءٌ بعجينه وبالروح معاً. لولا المظهر كاد الجوهر أن يكون واحداً، قاتلاً ومقتولاً.
المظهر مسرحُ الجوهر. الجوهرُ يشتهي المظهر ومِن بَعْدِه الجوهر.
أحبّكَ أيّها المَظْهر لذاتك وأحبّكَ لما تخبّئ ممّا هو أَفْتَن منك، وبالطبع سأراهُ أفتن منك ولو لم يكن كذلك، ما دمتُ منتشياً بسحرك.
أرجوك أيّها المظهر لا تخذلني! راوغني!...

■ ■ ■


لا حدود لشيء ما دام الخيالُ هنا. المظهر مادّة؟ ومَن قال إنّ المادّة محدودة؟ تحت وهج الخيال المادّة نسغ وظلال، يدان ترسمان وعينان تعيدان الخَلْق. الجوهر وَهْم، الجوهر مادّة من خلال رؤية واهمة؟ ليكنْ! هذا الوهم جوهريّ!
الإنسان (وربّما الحيوان جميعاً) كائنٌ يروح ويجيء على أرجوحةِ الرؤى، لا يرى شيئاً كما هو ولا يراه شيءٌ ولا أحد كما هو.
أنا مَظْهرٌ إذاً أنا موجود.
أنا مَظْهرٌ إذاً أنا جوهر.
أنا مَظْهرٌ إذاً أنا سرٌّ تحت هذا المظهر.
لا تخذلني أيّها المظهر!

■ ■ ■


لن أقنع بأن أكون أنا.
سأداوم على التظاهر بالاستسلام لمحايلة المعاودة.
لا حدود للمصير.

■ ■ ■


المظهر الأخّاذُ تجلٍّ من تجليّات الرونق، بلّورةٌ للجمال. لهذا يُوقِع في الحبّ. الجمال يصطاد الحبّ ويروّضه على الألم والمتعة. المظهر الأخّاذ يشعل فتيل الفتنة نحو المجهول.
المجهول هو الغرف الداخليّة، هو ما ندعوه الجوهر. الجوهر بطانةُ المظهر، السعداءُ هم الذين يعميهم المظهر إلى النهاية، حيث هو جوهر دون أن يدروا...

■ ■ ■


نحبّ الشيء فنراه جميلاً أم نراه جميلاً لأنّنا نحبّه؟
هذه وتلك وغيرهما: نحبّ ما يعطينا أجنحة.

■ ■ ■


هناك دوماً أساسٌ حقيقيّ للانطباع. الانطباع علامةُ بصمة، إنذار، بُشرى. لسنا ملزمين مشاركة كلّ واحدٍ انطباعاته، لكنّ من واجبنا الإصغاء إليه. قد نشاركه بعد الإصغاء.

■ ■ ■


كلّ بدايةٍ، جوهر.

■ ■ ■


لا تخلطي بين حبّك الآخر وبين انعكاس حبّه عليكِ.

■ ■ ■


سيّدةٌ تسألني بألم: «اشرح لي قدرةَ البشر على أن يتخطّوا حبيباً لطالما أقسموا انّهم يعشقونه حدّ الثمالة!؟».
ليست قدرةُ الأشخاص وإنّما قدرة الزمن. ولا نخلط بين النزوة والحبّ، النزوة أيضاً تُقسم لكنّه قَسَمُ اللحظة. أكبر الظنّ أنّ الإنسان يُحبّ نمطاً واحداً من البشر، نموذجاً واحداً، لا شخصاً واحداً، إلّا في النادر. عندما يُقسم رجلٌ لامرأةٍ أنّه يحبّها إلى الأبد هو في الواقع يقسم صادقاً أنّه يحبّ هذا «النوع» من النساء ولن يحبّ سواه. النوعُ قد يتكرّر في نساءٍ كثيرات، لكنّه الهاجس نفسه، والمرأةُ نفسها.
لا تَدَعي أَلَمكِ يتمكّن منكِ. لو كان هذا الشخص لكِ، لظلَّ لكِ، ولو عَبْر غيركِ من النساء.


■ ■ ■


أمجدُ جنونٍ يصطحب العاشق هو أن يُحِبّ معشوقه أكثر ممّا يحبّه المعشوق.

■ ■ ■


الحبّ يُثْقل القلب بأخفّ وزنٍ على الإطلاق هو وزن الوهم. وهذا الوهم يدفئ حامله أقوى ممّا تدفئ الشمسُ الكائنات.

■ ■ ■


الجمال هو ما يجعلنا نقيم معه علاقات لا نفهم سرّها، ومن خلاله نمدّ جسوراً مع العالم أو نقطع جسوراً.

■ ■ ■


نشتهي حضور الحبيب ونعبد غيابه. الحلم يصنع آيته في الغياب.

■ ■ ■


حبّ النظرةِ الأولى غالباً ليس من النظرة الأولى. تكون قد مهّدتْ له مُشاهَدَة أو مشاهدات سابقة من صنف انفراجات الفضاء، رؤية خلال الرؤى. ما هي هذه الرؤية _ الرؤيا؟ جَذْرُ ما تصبو إليه النفس: الشخص المحلومُ مذ نشأة الحالم وربّما قبل النشأة. مزيجٌ من نتاج الجينات وأصابع الأمومة، مع التنقيح والتنميق، تضفيهما المخيّلة الخاصّة وهامشُ ما استَقَلّ من الطبع.
حبّ الصاعقةِ ابنٌ لأبوين: حريّة الحلم وحتميّة القَدَر.
حبّ النظرةِ الأولى استردادٌ لمفقود.


■ ■ ■


الحبّ حالةُ نسيان. حتّى الأفكار التي يستثيرها في العاشق حبّه تغدو في خدمةِ النسيان.
حالةُ الحبّ عزلةٌ عن الشارع نحو الغابة وعن الغابة نحو نورٍ داخليّ لا يُرى فيه غير الحبيب.
النسيانُ الذي يغدقه الحبّ على صاحبه هو ذاكرةُ الغفران.








عابــــــرات



 









تعلّقتُ ليلى وهي غِرٌّ صغيرةٌ                    ولم يبدُ للأتراب من ثديها حجمُ

صغيرين نرعى البَهْمَ يا ليت أنّنا              إلى اليوم لم نكبرْ ولم تكبرِ البَهْمُ

المجنون




■ ■ ■






 



... ويحسبُ نسوانٌ من الجهلِ أنّني            إذا جئتُ، إيّاهُنَّ كنتُ أريدُ...

يموتُ الهوى منّي إذا ما لقيْتها                 ويحيا إذا فارقتُها فيعودُ

جميل بثينة




■ ■ ■






 



لقد خفتُ أن ألقى المنيّةَ بغتةً                     وفي النفسِ حاجاتٌ إليكِ كما هيا

وإنّي ليُنسيني لقاؤكِ كلّما                        لقيتُكِ يوماً أن أبثّكِ ما بيا...

جميل بثينة




■ ■ ■





 



حدّثونا أنّها لي نفثتْ                               عُقَداً _ يا حبّذا تلك العُقَدْ

كلّما قلتُ: متى ميعادُنا                             ضحِكَتْ هندٌ وقالت: بَعْدَ غَدْ.

عمر بن أبي ربيعة




■ ■ ■





 



أدعو إلى هجرها قلبي فيتبعني               حتّى إذا قلتُ هذا صادقٌ نزعا

وزادني كَلَفاً في الحبّ أنْ مُنِعَتْ                 أَحَبُّ شيءٍ إلى الإنسانِ ما مُنِعا...

الأحوص الأنصاري




■ ■ ■





 



لقد خِفْتُ حتّى خلتُ أنْ ليس ناظرٌ             إلى أحدٍ غيري، فكدتُ أطيرُ

وليس فمٌ إلّا بسرّي محدّثٌ                        وليس يدٌ إلّا إليَّ تشيرُ

عُبَيْد بن أيّوب العنبري




■ ■ ■






 



يوم قالت: إذا رأيتكَ في النوم                     خيالاً أَصَبْتَ عيني بداءِ

واسْتخَفَّ الفؤادُ شوقاً إلى قربِكَ                حتّى كأنّني في الهواءِ

بشّار بن بُرْد




■ ■ ■






 



لو كانَ يدري الميتُ ماذا بَعْدَهُ                     بالحيِّ حَلَّ، بكى له في قبرهِ

غُصُصٌ تكادُ تفيضُ منها نفسُهُ                وتكاد تُخرِج قلبه في صدرهِ...

ديك الجنّ الحمصي




■ ■ ■






 



تاهتْ على صورةِ الأشياء صورتُهُ             حتّى إذا كملت تاهت على التّيهِ.

أبو تمّام




■ ■ ■





 



ولم تعطني الأيّام نوماً مسكّناً                  ألَذُّ بهِ إلّا بنومٍ مشرَّدِ

وطولِ مقامِ المرءِ في الحيّ مُخْلِقٌ               لديباجتيه، فاغتربْ تتجدّدِ

فإنّي رأيتُ الشمس زيدتْ محبّةً                 إلى الناس أَنْ ليست عليهم بسرمدِ

أبو تمّام