دمشق | بعض الداعمين لـ«الثورة» السورية ينفجرون غضباً لمجرد سماعهم عبارة «انقسام طائفي»، ولا تفيد محاولات إقناعهم بأنّ الطائفية كانت تنغل في ثنايا المجتمع السوري، وعندما حانت الفرصة المناسبة لاشتعالها، ظهرت كواحد من أهم ملامح المرحلة. ومما لا شك فيه أنّ النظام السوري كان المستفيد الأكبر وصاحب المصلحة في دفع عجلة الأمور إلى هذا الحد من الانقسام والطائفية والتسليح ليعطي شرعية لحالة الإبادة الجماعية التي ينفذها.


في موازاة هذه الحالة، أفرزت الأزمة انقساماً من نوع آخر قد لا يقلّ خطورة، لكونه يستشري بين صفوف المثقفين والفنانين والإعلاميين السوريين الذين يأخذ بعضهم على عاتقه مهمة التحريض، وينصّب نفسه بوماً ينعق على الدماء التي تسفك يومياً، حتى صار الموت فسحة للشماتة، وفرصة لصبّ الزيت على النار وإشعال فتنة هي في الحقيقة أشد وطأة من القتل.
هكذا، تحول خبر تصفية الصحافي السوري ناجي أسعد (1951_2012) إلى مساحة لتبادل الاتهامات بين المجموعات المسلحة والنظام، قبل أن يصير فسحة للشماتة والرقص على دم الصحافي الراحل. الأخير لم يبالغ يوماً في الدفاع عن النظام، ولم يسبق له أن سجّل أي حضور إعلامي يستفز أحد الأطراف. ومع ذلك، لم توفره نيران القناصة صباح الثلاثاء الماضي أمام منزله في حي التضامن في دمشق. وكان الراحل قد بدأ مسيرته في جريدة «تشرين» وتدرّج فيها حتى صار مشرفاً على صفحة «منبر تشرين». وعلى الرغم من إدانة «اللجنة العربية لحقوق الإنسان» عملية التصفية، إلا أنّ فنون الترهيب والتصفية بحق الإعلاميين السوريين تصل إلى ذروتها بعدما شملت في وقت سابق الإعلاميّين الراحلين باسل شحادة ومحمد السعيد وفريق الإخبارية السورية، ثم خطف المذيع أمجد طعمة ليستمر المسلسل من دون توقف جهتي الصراع في سوريا عن إطاحة الصحافيين للسيطرة على الساحة الإعلامية.
وعلى الرغم من أنّ محطات النظام السوري قد زفت ناجي أسعد شهيداً على شاشاتها، هناك من ألقى باللوم على النظام نفسه على اعتبار أنّ أسعد قال قبل يوم من رحيله لأصدقائه في جريدة «تشرين» إن الحل الوحيد للأزمة هو رحيل الأسد. وفي مكان آخر، وصل تحريض الكاتب حكم البابا إلى مكان لا يحتمل عندما كتب على صفحته على فايسبوك مهلّلاً لموت الصحافي السوري: «اتصلت مساء اليوم بالصديقة جيزيل خوري لأقول لها إنّ قتلة سمير قصير الذين شمتوا باستشهاده يموتون الواحد بعد الآخر، فسألتني ما الذي أعنيه، فقلت لها: اليوم خلصتك الثورة السورية من ناجي أسعد الذي قال لي يوم استشهاد سمير قصير (...) إن سمير عميل فرنسي، وأضاف شامتاً: وهو يستحق الموت». وفي مكان آخر، يشنّ البابا حملة واسعة ضد المثقفين والفنانين والإعلاميين السوريين، فيتوجه إلى من بقي في سوريا كحسن م يوسف، وثائر ديب، ونبيل صالح بأن يحزموا حقائبهم ويرحلوا، ويصف بعض النجوم السوريين كأمل عرفة، وعبد المنعم عمايري، وباسم ياخور، وجمال سليمان بأنهم «شبيحة النظام»، وبأنهم فئران، ثم يدافع في مكان آخر عن «جبهة النصرة» التابعة لتنظيم «القاعدة». يفعل حكم البابا، المعروف عنه لغة الشتائم والتخوين وزرع الفتن، كل ذلك من أجل استجداء نجومية ما... فهل من أحد يهديه هذه النجومية ويشتري بها صمته إلى الأبد؟