القاهرة| صارع محمد البساطي الموت بالكتابة، تماماً كما كانت شهرزاد تؤجّل موتها بالحكي. في عامه الأخير، كتب كما لم يكتب من قبل، كأنه يستشعر موته. لم تكن مشاريعه روائية (قد لا يستكملها)، بل كانت قصصاً قصيرة، معظمها عن شخصيات واقعية عرفها وعايشها. كانت قصته «الأيام الأخيرة» من تلك القصص التي يحكي فيها عن اللحظة التي سبقت موت صديقه الكاتب الراحل عبد الفتاح الجمل مكتشف جيل الستينيات عبر إدارته للصفحة الثقافية في جريدة «المساء». كان يبدو أنّ البساطي يحكي في هذه القصة عن لحظاته الأخيرة لا لحظات صديقه الراحل.


رحل إذاً محمد البساطي (1937ـــ 2012) أول من أمس السبت وشيِّع أمس الأحد من مسجد «رابعة العدوية» في القاهرة، بعدما وقّع عقداً مع «الهيئة المصرية العامة للكتاب» لنشر أعماله الكاملة التي تضم 11 مجموعة قصصية، و16 رواية، تاركاً مجموعة قصصية مكتملة لم تنشر حتى الآن بعنوان « أضواء على الشاطئ».
صاحب «صخب البحيرة» لم يشغل أحداً بمرضه الذي استمر عاماً أو أكثر، رحل كنسمة عابرة في ظهيرة حارة، تماماً مثل كتاباته الهامسة التي وصفها الكثير من النقاد بـ«القصة ـــ القصيدة». قد يكون البساطي ـــ بلا مبالغة ـــ أكثر أبناء جيله إخلاصاً للكتابة وحدها. لم يكسب منها تقريباً، لم يعمل كآخرين في السياسة، أو يلتحق بتنظيمات حزبية سرية أو علنية، لم يمارس الصحافة، حتى إنّه لم يضبط يوماً متلبساً بكتابة مقال صحافي. حتى الحوارات الصحافية كان يترك لأصدقائه مهمة صياغتها بدلاً منه. في مرضه الأخير، لم يرد أن يشغل أحداً به، كان يمارس حياته العادية كأنّه ليس مريضاً. يتصل بالأصدقاء كما اعتاد، يمارس معهم دعاباته. لم يفقد حسه الساخر تقريباً إلا عندما توقف عن الكتابة. عندها، دخل المستشفى بعدما خانه الجسد، وتوقف كليته وكبده عن العمل بعدما انتشر فيهما السرطان. لم يشغل أحداً بالبحث عن مستشفى أو علاج على نفقة الدولة. حين حاول الأصدقاء اقناعه بأن يتحمّل اتحاد الكتّاب تكاليف العلاج، تخلّى عن لهجته الساخرة، وبات أكثر حدة: «لا»، قالها ولم يزد. وعندما ألحّ عليه كثيرون، قال: «لديّ أبناء يمكنهم تحمّل تكاليف علاجي».
التعفّف سمة من سمات البساطي. البعد عن المؤسسة الرسمية، وصخبها. لا يعنيه شيء سوى الكتابة. كتابة جميلة، لا يبحث بعدها عن ناقد يمتدحه، أو صحافي يحاوره، أو جائزة يقتنصها. لم تكن تعنيه التصنيفات ولا صراعات الأجيال، ولا بهرجة المهرجانات. فقط، وضع نصب عينيه نصيحة ماركيز «أن أكتب جيداً» وراح يمارسها!
ولد البساطي في قرية الجمالية البسيطة المطلّة على بحيرة المنزلة (شمال مصر). وبدلاً من أن يصبح صاحب «الأيام الصعبة» زعيم عصابة في قريته، أصبح كاتباً في القاهرة، حيث أرسلته والدته وهو في الثانية عشرة، ليكمل تعليمه بعدما أُلقي القبض عليه مراراً بتهمة إثارة الشغب وتكسير زجاج قسم الشرطة، والقفز على أسطح الجيران، وتعكير الصفو العام للقرية.
في القاهرة، كانت الكتابة بالنسبة إليه طريقاً للخروج من العزلة. كتب ــ كما قال ــ لأنّه يريد أن يشاركه الآخرون غرفته الصغيرة، ولأنه يريد أن يرسم قريته على جدران ذاكرة لا يمكن أن تنسى هذا المكان الصغير الماثل في ذاكرته. في تلك الفترة، كتب الشعر «الرومانسي» واحتفظ بالكثير من تلك القصائد حتى رحيله، ثم انتقل إلى كتابة القصة. وفي عام 1962، كتب قصته الأولى «الهروب» وأرسلها إلى «مسابقة طه حسين للقصة» التي ينظمها «نادي القصة» في مصر. فعل ذلك بعدما استدان ربع جنيه رسوم الاشتراك، ليفاجأ بحصوله على الجائزة الأولى: «ستون جنيهاً، وميدالية ذهبية حُفرت عليها صورة «عميد الأدب العربي» طه حسين، وفوق ذلك مقابلة جمال عبد الناصر الذي سيسلم الجائزة في احتفال الدولة بعيد العلم الذي سينقله التلفزيون». ثلاث جوائز لم يتوقّع أياً منها، واهتمام إعلامي وهو لم ينشر بعد أياً من قصصه، كادت تصيبه لوثة عقلية، حتى إنّ أحد الصحافيين سأله وقتها: «قرأت طه حسين؟» فأجابه: «طه حسين مين؟».
هكذا كانت البداية: اعتراف رسمي ممهور من «عميد الأدب العربي»، ومكافأة خوّلته أن يكوّن مكتبة ضمت كل الكتب التي حلم يوماً باقتنائها، وفتحت له كلّ المجلات. مع ذلك، لم يستطع نشر مجموعته الأولى «الكبار والصغار» إلا بعد هذه الجائزة بست سنوات، وتحديداً عام 1968. وتوالت أعماله بدءاً من «حديث من الطابق الثالث» (1970). وكانت روايته الأولى «التاجر والنقاش» (1976).
سنوات القرية كانت منبعاً أساسياً في أدبه؛ إذ تشبع بجوّها وناسها، وخصوصاً أنّه لم يكتف بحدودها، بل تناول القرى المجاورة لها باعتباره «رحالة عظيماً» يترك منزله مستوطناً إحدى الجزر مع بعض الأصدقاء، طعامهم السمك الذي يصطادونه بأنفسهم، بينما يقوم أحد الصيادين بإمدادهم بالمياة العذبة. في هذه الرحلات، شاهد نماذج غريبة من الناس، استمع إلى حكاياتهم التي ظلت تناوشه، وظل يقلبها على وجوهها المختلفة ليصبح هؤلاء أبطالاً لأعماله في ما بعد. ومن خلال هذه الشخصيات، لم يطرح مشاكل الريف بمعناه الطبقي كما فعل عبد الرحمن الشرقاوي في رواية «الأرض»، ولم ينطلق في إبداعه من مفاهيم سياسية؛ لأنّ «مفهوم الإبداع أكبر من ذلك». اختار نماذج بشرية عبّر من خلالها عن الهمّ الإنساني العام، وكان اختياره دائماً للفئات التي تقيم على أطراف الريف لأنّها تعيش عالماً إنسانياً ثرياً من الحكايات والوقائع والثقافة الشعبية. تجربة القرية تناولها في عمله الأشهر «صخب البحيرة»، ثم في «أصوات الليل»، و«جوع» (جائزة «بوكر» العربية عام 2009)، و«فردوس»، و«أوراق العائلة» و«يأتي القطار» التي يعدّها الأقرب إلى قلبه من كل أعماله.
مرات قليلة غادر فيها البساطي قريته، مستكشفاً عوالم المدينة: قاهرة الستينيات والسبعينيات حيث الحكايات السرية للمثقفين في «ليال أخرى» التي يتأثّر فيها بحكايات «ألف ليلة وليلة»، والمدينة الأسطورية في «الخالدية»، والمدينة البين بين في «دق الطبول» ثم في روايته الأخيرة «وسريرهما أخضر» التي تأثر فيها بلغة العهد القديم. روايات المدينة يتعامل معها البساطي باعتبارها «مغامرة فنية». معها، يبدو مثل شخص يخرج من بيته ليشاهد الدنيا، لكنّه يعود مرة أخرى. لم يتناول تجربة عمله في السعودية لمدة خمس سنوات، وهي الفترة التي توقف فيها كلياً عن الكتابة وعدّها «سنوات من اللاشيء».
كانت البساطة سمة كتابة صاحب «بيوت وراء الأشجار»، لكنها البساطة الماكرة، الخادعة، لن تجد فيها لغة استعراضية مجازية، أو جملاً مهجورة. كانت لغة «طازجة» كما يصفها، يتلمسها من فم الشخصية، وينفر من كلمات التزيين والتأنق. لغة وصل إليها بعد معركة طويلة اكتسبها من عمله في «الجهاز المركزي للمحاسبات» حيث كانت مهمته مراقبة السجون. وكتب عن تلك التجربة في مجموعته «محابيس» وروايته «أسوار». ساهمت هذه التجربة في تدريبه على كتابة لغة تتسم بالحياد وملتصقة بالواقع لأنّها ابنة التقارير الوظيفية التي كان يكتبها بصرامة وحياد وتتميّز باقتصاد لغوي يرفض الزوائد.
أما في سرده الشاعري، فبدا مشغولاً بالتفاصيل. يكتب كأنه يلقي «ضوءاً بسيطاً لا يكشف شيئاً» كما يقول عنوان إحدى مجموعاته القصصية. لكنّ هذا الضوء يكشف الكثير، ويرسم مع المشاهدات البسيطة التي يقتنصها كصياد ماهر، جداريةً عن حياة الناس البسطاء وأحلامهم.