الجزائر | من الباب ذاته، يعود مرزاق علواش (1944) إلى «مهرجان كان السينمائي» (من 16 إلى 27 أيار/ مايو). تظاهرة «أسبوعي المخرجين» التي احتضنت عمله «باب الواد سيتي» عام 1994، تستقبل هذه المرة شريطه الجديد الذي لم يبتعد في خطابه عن سابقه. في «التائب»، يسلّط صاحب «عمر قتلاتو» (1976) عدسته النقدية ذات البعد الإنساني على «فترة الإرهاب» التي شهدتها الجزائر في تسعينيات القرن الماضي من خلال تتبع سيرة البطل الإشكالية.


هكذا، سنرى رشيد الشاب الذي غرّرت به «الجماعات الإرهابية»، عائداً بعد عقدين إلى الاندماج مجدداً في مجتمع يرفضه. في اللحظات الأخيرة التي سبقت إعلانه مشاركاً في المهرجان، قرر مرزاق علواش تغيير اسم شريطه من «وقت المصالحة» إلى «التائب». يفسّر صاحب «باب الويب» هذه الخطوة بمحاولة إبعاد العمل عن التصنيف في خانة «الفيلم السياسي»، ما قد يؤدي إلى اختزاله في النظرة الضيقة المتعلقة بانتقاد سياسة المصالحة التي اعتُمدت لمعالجة ظاهرة العنف في الجزائر بعد وصول عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم. «لطالما كان «التائب» مشروعاً مؤجلاً. كتبت السيناريو قبل سنوات، لكنه بقي حبيس الأدراج لأنني لم أجد المناخ المناسب لتصويره».
هكذا، امتثلت الرغبة في إنجاز عمل عن «العشرية السوداء» في بلاد المليون ونصف مليون شهيد، إلى موضوعات عاجلة تصدّى لها المخرج الجزائري. أنجز «حراقة» (2009) الذي أسال الكثير من الحبر في الصحافة الجزائرية عبر فتحه قضية «قوارب الموت» التي تحمل عشرات الشباب الطامحين إلى بلوغ الفردوس الأوروبي. تأجل «التائب» مرة أخرى مع انشغال علواش بشريطه «نورمال» (2011) الذي صوّر فيه مظالم الحقبة «البوتفليقية» من خلال فضح التهميش الذي تمارسه وزارة الثقافة بحق بعض الفرق الموسيقية المشاكسة. لا يتوقف «التائب» طويلاً عند الخلفيات المتعلقة بالتحاق بطله بالجماعات الإسلامية المسلحة، وانضمامه إلى «معاقل الجهاد». كأن صاحب «العالم الآخر» (2001) أراد أن يواصل رحلته من حيث انتهى «باب الواد سيتي». هكذا، يبدأ الفيلم في اللحظات التي يقرر فيها رشيد التوبة عن النشاط الإرهابي، و«العودة إلى جادة الصواب» كما كانت تقول مناشير البروباغندا المرّوجة للمصالحة في أواخر التسعينيات. يقرر رشيد تسليم نفسه، ليستغل العفو بموجب قانون «الوئام المدني». لكن عودة «الإرهابي التائب» إلى قريته في منطقة «سيدي موسى» (كانت مسرحاً لمجازر بشعة، جعلتها رمزاً لجرج غائر في الذاكرة الجماعية الجزائرية) قوبلت بالرفض والاحتجاج من قبل بعض السكان الذين يتهمونه بـ«الاشتراك في ارتكاب مجازر».
من هذا المنظور، يسلط الفيلم الضوء على مفارقات «زمن المصالحة». سرعان ما يتحوّل العفو الذي ناله رشيد بموجب قانوني «الوئام» و«المصالحة» الذي أفرح والديه، إلى مصدر إزعاج لسكان القرية الذي يعتبرون البطل «إرهابياً أفلت من القصاص». لا تلبث المواجهة بين «التائب» والسكان أن تتطور إلى اشتباكات بالسكاكين، بدافع الانتقام، لينتهي الأمر بوقوع ضحية جديدة من شباب القرية، وبترحيل رشيد إلى السجن. يُطلق سراحه بعد مدّة، ويقرر مغادرة القرية، نزولاً عند رغبة والديه، ليبدأ حياة جديدة في مدينة بعيدة. عن أدائه دور البطولة في الفيلم، يقول الممثل نبيل عسلي الذي جسد شخصية «التائب» في لقاء مع «الأخبار»: «هذا الدور مثير ومغر بالنسبة إلى أي ممثل. ولا أبالغ لو قلت إنّه الأكثر تميزاً من بين الأدوار التي حظيت بأدائها تحت إدارة مرزاق علواش. تجسيد شخصية رشيد كان صعباً ومنهكاً، ما دفعني إلى استثمار كل طاقاتي التمثيلية والجسدية، حتى أنني فقدت الكثير من وزني خلال التدريبات التي دامت شهوراً».
لا تقتصر قصة الفيلم على شخصية رشيد وحدها، بل تتضمن شخصيات محورية أخرى تعد عناصر أساسية في الفيلم. هناك لخضر (خالد بن عيسى) ومطلقته جميلة (عديلة بن ديمراد) اللذان يُعتبران من «ضحايا العمليات الإرهابية» إضافة إلى كونهما صديقين لـ«التائب». استغنى مرزاق علواش عن الاستعانة بالمؤسسات الثقافية الرسمية لإنتاج «التائب»، وقام بتمويل مشروع شريطه من الميزانية التي حققها عمله «نورمال» (نال جائزة أفضل فيلم روائي طويل في «مهرجان الدوحة ترايبيكا» التي تُقدّر قيمتها بـ 100 ألف دولار). لكن قيمة العمل لا تكمن في استقلالية إنتاجه ونبرته النقدية على الصعيد السياسي، بقدر نجاحه في إكمال سلسلة «الدراما السوسيولوجية» التي ينجزها علواش، مسلطاً الضوء على مظالم ما بعد «العشرية السوداء» في المجتمع الجزائري.




تشويه صورة الجزائر؟

كما جرت العادة، يُنتظر أن يثير «التائب» ضجيجاً في الجزائر تزامناً مع عرضه الأول في «كان». الجدل يلازم أعمال السينمائي المعروف، وكان آخرها «نورمال» الذي جعل بعض الأصوات تتهمه بـ «تشويه صورة الجزائر». أما «التائب» فسيكون الممثل الرسمي الوحيد للفن السابع الجزائري في «كان» بعد خروج «زابانا» لسعيد ولد خليفة في اللحظات الأخيرة من قائمة الأفلام المنافسة في المسابقة الرسمية.