تونس | العروض المسرحية التي يحرسها أعوان من الشرطة مدجّجون بالسلاح، هي مشهد جديد لم يعتده التونسيون قبلاً. لكن خلال «أيام قرطاج المسرحية» التي تختتم دورتها السادسة عشرة اليوم، تأقلموا مع هذا المشهد تدريجاً كما اعتادوا سقوط الشهداء من الأمن والجيش والسياسيين برصاص الإرهاب في الحكومة التي يقودها الإسلاميون منذ عامين.


«كأنّها ليست تونس التي عهدتها» هكذا يعلّق اليوم بعض الضيوف العرب الذين زاروا تونس قبل ثلاث سنوات، ذلك أنّ مناخ الخوف واليأس والإحباط الذي يعيشه الجزء الأكبر من التونسيين مدّ بظلاله على الشارع الطويل «الحبيب بورقيبة» الذي يختزل الفرحة بالحياة وعشاقه، قبل أن تصبح الأسلاك الشائكة التي تمتد على جزء كبير منه مشهداً مألوفاً كان التونسيون الى وقت قريب لا يشاهدونه إلا في التلفزيون
فقط!
جاءت «أيام قرطاج المسرحية» مكتظة بالعروض والإقبال الجماهيري، لكنها مع ذلك كانت «باردة» بلا روح بسبب المناخ السياسي السائد في البلاد ربما، فضلاً عن الثغرات التنظيمية. فتح المهرجان بابه هذه السنة لجيل جديد من المسرحيين التونسيين أغلبهم من المتخرجين في المعهد العالي للفنون المسرحية الذين قدموا تجارب مختلفة من المسرح الكلاسيكي، مثل «ماكبيث» للطفي عاشور، و«ريتشارد الثالث» لجعفر القاسمي، وهو من نجوم التلفزيون التونسي، و«أنتيغون» عن نص سوفوكليس الشهير إخراج عبد القادر بن سعيد، ومسرحيات من الريبرتوار العالمي مثل «الدرس» ليوجين يونسكو التي قدمها غازي الزغباني. كذلك انطلقت بعض الأعمال من نصوص أدبية شهيرة مثل «الأمير الصغير» (أنطوان دو سان إكزوبيري) التي قدمتها حبيبة الجندوبي، و«نوارة الملح» التي قدمها علي اليحياوي عن نص لماركيز. وقدمت الأيام أيضاً أعمالاً تجريبية مثل «مسألة حياة» لنوفل عزارة، و«شغف» للمعهد العالي للمسرح والموسيقى في الكاف، و«تيار هواء في الرأس» لطلبة المعهد العالي للفن المسرحي بن تونس، ومجموعة من عروض الرقص مثل «الى حد ما» لنوال إسكندراني و«حالة» لعماد جمعة.
حضرت تيمة الواقع اليومي التونسي المتأرجح بين الخوف والأمل والعنف والإحباط، ما يترجم الحالة التي تعيشها تونس في انتقالها الديمقراطي المتعثر وغياب أفق واضح للمستقبل. ولم يغب المسرحيون التونسيون الذين عرفهم الجمهور العربي والتونسي لسنوات في «قرطاج» أمثال الفاضل الجعايبي الذي قدم «تسونامي»، وحمادي المزي «الاستعراض»، وكمال العلاوي «حدث»، ومنير العرقي «الرهيب». وقدمت رجاء بن عمار «سكاكين في الدجاج»، وعز الدين قنون «غيلان»، وتوفيق الجبالي «كلام الليل... صفر فاصل» وفتحي العكاري «مواجهات».
المحور الأساسي لهذه الاعمال هو السلطة وتجربة الإسلاميين في الحكم والديكتاتورية التي عاشتها طيلة 24 عاماً والثورة التي حلم بها التونسيون قبل أن يعيشوا كابوساً آخر هو ديكتاتورية المجلس الوطني التأسيسي الذي تستعمله «حركة النهضة» لإمرار مشاريعها تحت غطاء الشرعية. ولعل المشاركة التونسية المكثفة في التظاهرة التي لم تسعد عدداً من المسرحيين ممن اعتبروا أنفسهم مقصيين رغم تأسيسهم لهذه التظاهرة الدولية مثل منصف السويسي والمنجي بن إبراهيم، تلخص الى حد بعيد بانوراما المشهد المسرحي التونسي اليوم. باستثناء حضور سميحة أيوب في الافتتاح أو روجيه عساف ندوة «نقد التجربة همزة وصل» التي انتظمت على هامش الأيام، لم تسجل الأيام حضور وجوه أو أعمال بارزة. بدا واضحاً أن كل المسرحيات جاءت عن طريق مسالك وزارات الثقافة مثل العرض اللبناني «المطيع» لحسن الحارثي، و«حارس النبوءة» لفراس المصري من الأردن، و«افتراض ما حدث فعلاً» للطفي بن سبع من الجزائر، و«العرس الوحشي» من سلطنة عمان، و«ليلي داخلي» لسامر إسماعيل من سوريا، و«باسبورات» لبشار عصام من العراق... ولعله من العناصر البارزة في هذه الدورة عرض مجموعة من الأفلام التي انطلقت من مسرحيات شهيرة أو أفلام تسجيلية عن تجارب مسرحية بارزة مثل مغامرة «مسرح الشمس» لاريان منوشكين.
هكذا، يُسدل الستار اليوم السبت على الدورة السادسة عشرة من «أيام قرطاج المسرحية» التي انطلقت بندوة دولية «في الفن والدين». إنّها دورة الحد الأدنى في وضع سياسي وأمني مرتبك.