مساء غد الأحد، ينطلق مهرجان «بيروت ترنّم» في دورته السادسة. عنوان يحيل على الموسيقى الدينية الموجودة عند كل الشعوب وفي كل الأنماط من الشعبي والتراثي الشرقي والغربي إلى الكلاسيك والغوسبل. لكن المقصود فعلاً في موسيقى دينية بحسب دورات المهرجان السابقة، كما برنامج هذه السنة، هو الموسيقى الدينية، إضافة إلى الموسيقى الكلاسيكية الغربية غير الدينية! علامة الاستفهام هذه ليست موجّهة إلى المهرجان اللبناني فحسب، فهذه مسألة رائجة في العالم ولها أسبابها التاريخية والفنية. أما علامة الاستفهام الخاصة بـ«بيروت ترنّم» فهي أنه مجّاني! هل يوجد شيء مجاني في لبنان، وأكثر منه في الوسط التجاري «سوليدير»، عدوّ الفقراء بلا منازع؟!


منذ أعوام، خرجت علينا سيّدة لبنانية ببدعة تجارية لا يتصوّرها عقل: هواء لبناني مُعلَّب للبيع! يومها كل ما كنا بحاجة إليه هو محامٍ محنَّك لتكوين ملف دعوى مبكّلة يؤدي بتلك المشعوذة إلى السجن، ولو ليوم واحد رمزي. في لبنان، لا شيء مجاني. أو بمعنى آخر، كل شيء قابل للبيع. نحن فينيقيون، وهذه ظواهر جيناتنا!
إذا كان الهواء للبيع، فما الذي يمكن أن يبقى مجانياً؟ الفن؟ ولِمَ لا؟ في هذه السطور، سنتكلم عن «بيروت ترنّم». مهرجانٌ بات ينافس ببرنامجه الجيد أهم التظاهرات الفنية في لبنان. ومع ذلك هو مجاني. ثمة نية لدى المنظّمين بأن تتاح الموسيقى لكل الناس، خصوصاً في زمن الميلاد العزيز على قلب التجّار. وعندما تتوافر النية، يتوافر الدعم. السفارات والدول تدعم (ألمانيا وإيطاليا في هذه الحالة)، وكذلك بعض الشركات والمصارف (لدواعيها التجارية طبعاً)، علماً بأنّ «سوليدير» التي دعمت المهرجان في السابق، انسحبت هذه السنة لحسن الحظ. بالتأكيد نحن نطمح إلى أن تكون مجانية بدعم من الدولة فقط. لكن، إلى أن يتحقق هذا الحلم، لا بأس بالبديل ما دامت السلبيات تقابلها إيجابيات كثيرة. ما يساعد في هذا الاتجاه أيضاً أن لا تكاليف صالات، إذ تحصل الأمسيات في كنائس وكاتدرائيات (باستثناء أمسية في الجامعة الأميركية)، معظمها في وسط بيروت وأطرافه، إضافة إلى «دير يسوع الملك».
رغم أنّ الدعوة إلى أمسياته عامة، يُعتبر «بيروت ترنّم» من أبرز التظاهرات الفنية الدورية التي يشهدها لبنان، وتحديداً الوسط التجاري. هو الأطول في الامتداد الزمني (أكثر من ثلاثة أسابيع)، والأسماء المرموقة المحلية والعالمية باتت تزيّن برنامجه الآخذ في التطوّر منذ انطلاقه عام 2008. الدورة الماضية كانت جيّدة وهذه السنة أفضل. وإذا قارنّاه فنيّاً بـ«مهرجان البستان» (لكونهما متقاربين من حيث الأنماط الموسيقية المستهدفة)، يمكن القول إنّ «بيروت ترنّم» هو المنافس الوحيد للمهرجان العريق. أما إذا أخذنا المسألة المادية في الاعتبار (الأول أسعار بطاقاته باهظة، والثاني مجاني) يصبح الثاني معياراً حقيقياً لمحبّي الموسيقى: الذي يجب الموسيقى ويملك المال، لا يخجل من حضور أمسية مجانية، في حين أنّ مَن يحب الموسيقى ولا يملك المال لا يستطيع حضور أمسية في «البستان». أضف إلى ذلك أنه بات للمهرجان أوركسترا خاصة به تفتتح الدورة الحالية بعملٍ أساسي من الموسيقى الدينية المرتبطة بالميلاد: أوراتوريو «المسيح» لهندل (غداً، كنيسة مار مارون/ الجميزة). ستقود هذه التحفة جوانا ناشف، بالاشتراك مع جوقة الجامعة الأنطونية ومغنّين منفردين من إيطاليا ولبنان. في اليوم التالي أمسية لمغني الأوبرا اللبناني شادي طربيه (كنيسة مار لويس للآباء الكبوشيين) ترافقه كريستينا رازينسكا (بيانو) تليها أمسية بعنوان «نجاوى الميلاد» (3/12 ــ كاتدرائية مار الياس للروم الكاثوليك) بقيادة عازف الكمان نداء أبو مراد. نصل إلى ذروة المهرجان مع مفاجأة هذه السنة، إذ دعا المنظمون جوقة RIAS Kammerchor لتقديم أمسيتيْن من الترانيم الميلادية (4 و6/12 ــ كاتدرائية مار جرجس للموارنة، ثم دير يسوع الملك) بقيادة الألماني الشاب فلوريان هلغات (1978). القائد واعد لكن الأهم جوقته التي تعني «جوقة الحجرة التابعة لهيئة الإذاعة في القطاع الأميركي»، وهي من أهم المشاريع الموسيقية التي عرفتها ألمانيا الغربية خلال الهيمنة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية. تمت تصفية هيئة الإذاعة (1993) بعد توحيد ألمانيا، لكن الجوقة حافظت على الاسم ليبقى شاهداً على تاريخٍ قريب. من الأسماء اللبنانية المرموقة، يستضيف المهرجان عازف الفلوت وسام بستاني الذي يقدم أمسية بمرافقة بيانو (ألكسندر سزرام) تحمل عنوان «فلوت احتفالي» (7/12ــ كنيسة مار الياس/ القنطاري). تتوالى أمسيات المهرجان يومياً، أهمها واحدة لعازف التشيلو الروسي بوريس أندريانوف الذي سبق أن زار لبنان ترافقه على البيانو أندريا سكانافي (9/12 ــ كنيسة مار مارون/ الجميزة).

«بيروت ترنّم»: بدءاً من 1 حتى 23 كانون الأول (ديسمبر) ــ معظم الأمسيات تبدأ عند الثامنة مساءً ــ للاستعلام:
www.beirutchants.com




تاتيانا وغادة وسمر والآخرون

في 10/12 (كنيسة القديس يوسف/ مونو)، تقدّم تاتيانا ــ بريماك خوري (بيانو) تحية إلى المؤلفين اللبنانيين. في 12/12 (كنيسة مار مارون) أمسية أورغن منفرد لماركوس كاراس. وفي 16/12 (كنيسة مار الياس/ القنطاري)، تحية إلى الراحلة إيمان حمصي بصوت رفيقتها غادة شبير، تليها أمسية للسوبرانو اللبنانية نادين نصار (18/12ــ كاتدرائية مار الياس للروم الكاثوليك)، وأخرى لـ«جوقة توفيق سكر» (19/12 ــ كنيسة الأرمن الكاثوليك)، وبعدها «الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية» بقيادة هاروت فازليان (20/12 ــ كنيسة القديس يوسف)، ليختتم المهرجان في 23/12 (كنيسة مار الياس/ القنطاري) مع السوبرانو سمر سلامة.