الفيليبين ليست بعيدة كما تبدو. بالنسبة إلى الشرق الأوسط (وهذه تسمية استعماريّة غير محببة)، ربما تكون تلك البلاد الجميلة أقرب إلى منطقتنا من الولايات المتحدة الأميركيّة التي حازت تعاطفاً مقبولاً في إعصار العام الفائت.

وكما لو أننا في بداية القرن الفائت، على متن سفينة متجهة إلى هناك، صوّب الناس أنظارهم إلى نيويورك، استولت الصورة آنذاك على اهتمامنا. تسمّر الناس خلف التلفزيونات يُراقبون بحرص. كان شيئاً طبيعياً يفعلونه في زمن الإنسان الكوني، على قياس «المثقف الكوني»، بالمعنى السارتري للكلمة: التعاطف مع الخائفين بلا حسابات مؤامراتيّة، التعاطف معهم ضدّ موت مجاني. هذا الشيء الطبيعي لم يفعله أحد خلال الأسبوع الفائت عندما حصد إعصار «هايان» آلاف القتلى الفيلبينيين. وحدهم الأميركيون فعلوا ما عليهم للضحايا في اعلامهم. مثلاً، أفردت CNN وقتاً طويلاً لمتابعة المأساة الآسيويّة، والصحف الأميركيّة أولت الخبر اهتماماً ملحوظاً. أرسلت صحافيين إلى هناك، وعرفنا ما يقوله المنكوبون من ذلك الإعلام الذي ندعوه غربياً ويتهمه كثيرون بيننا بالتلفيق والانحياز. غير أننا، لا نعترف أنه يؤدّي وظيفته الأولى: الإعلام. لقد غاب الخبر الفيليبيني عن الإعلام العربي غياباً معيباً.

تكاد أن تكون تغطية الإعلام الأميركي لـ«هايان» لا تقل مساحةً ودقة عن تغطيته لإعصاري «ساندي» أو «كاترينا». وتكاد تغطية الإعلام العربي أن تكون أقل من الحافة، هذا الإعلام الذي يتوجه إلى جمهور بات يستخف بقيمة الفرد، ونرجسياً إلى درجة التعاسة، يعتقد أنه يشارك في صياغة الاحداث في العالم. لطالما ركزت المحطات العربية «الكبرى» على صحافة الجماهير، وراعت ما يمسّ سيكولوجيّة الجماهير في مواضع حساسة. لقد بنت شعبيتها على هذا الأساس. وعندما ذهبت إلى الحدث، ذهبت بهذه الروح. تابعت «الجزيرة» مثلاً الحرب في أفغانستان واحتلال العراق والعدوان على غزة على ذات النهج الذي يجد الخبر حيزاً فيه، لكن تطغى عليه حسابات الجماهير. بمعنى آخر، «الجزيرة» التي لم تفقد حيادها في سوريا فحسب، كانت ذات كاميرا رقيقة منذ البداية إذا توجّهت إلى «القاعدة»، أو خاطبت جمهوراً عربياً واسعاً، تعرف اخلاصه للمقدّس وأهميّة رؤية الديني. لم تكن «الجزيرة» تصنع خبراً، أو تنقل خبراً، حالها حال مثيلاتها. إنها مؤسسة بوظيفة سياسويّة خالصة، ومتفرّعات متعددة لخدمة الوظيفة الأولى، حالها حال «العربية»، وأخيراً، «الميادين».
وإذا تذكّرنا «الجزيرة» اليوم، فقد نذكر أسامة بن لادن، ورسائل وارثه أيمن الظواهري الصوتية التافهة، أو لقطات عبر «سكايب» من سوريا، بينما بالكاد سنذكر شخصيات لبنانية معارضة لـ«حزب الله» على «العربيّة»، وأشخاصاً يتهمون إيران بالسيطرة على العالم، ولقطات من أرشيف طهران والثورة الخضراء. أما بالنسبة إلى «الميادين»، فسنتذكر جميعنا رئيس مجلس إدارتها غسان بن جدو، وبعض التقارير الجيدة من سوريا وفلسطين. يبدو هذا تنميطاً على حافة السخرية، وهو فعلاً لم يرتكز على دراسة، باستثناء متابعة دقيقة ــ إلى حدّ ما ــ لكيفيّة تعاطي المؤسسات الإعلاميّة العربيّة، التي تولّت «الجماهير»، وتحدّثت باسمها، مع امتحان إنساني ضخم كالحدث الفيليبيني. وكما كان متوقعاً، رسبت جميعها بامتياز. إنها محطات تؤدي وظيفتها على نحو جيد، وأهميّة الخبر تُقاس بالنسبة إليها على معايير مستقاة من مأساة الرأي العام، وتستجدي عطف الأخير في مواضع أخرى وتقلّبه ضدّ الأحداث ومعها. وإذ نقرأ سلوك الإعلام العربي، في ضوء إعصار «هايان»، المنجل العملاق الذي حصد آلاف الفيلبينيين القتلى، نصير أمام خيارين. الخيار الأول، هو التقصير المهني، وقد يكون هذا وارداً، لا ضحالة فهم أصول المهنة في الأساس، بل ضآلة امكانات بعض المؤسسات الاعلاميّة الماديّة. لكن، بالنسبة للمؤسسات التي لا تحتاج إلى الامكانات، فالمتابع يُترك لخيار واحد كي يفسّر إهمال ضحايا «هايان» إلى هذا الحدّ، والذوبان التام في أحداث أخرى. لم يكن ممكناً صرف مأساة الفيلبينيين في وجدان الجماهير العربيّة. بات هذا واضحاً. في الأساس، هل ثمّة مساحة متبقية في النفس العربيّة لتقبل مزيد من المآسي؟ هذا سؤال آخر يعرفه الإعلام العربي. فعلاً، لا أحد يمكنه أن يفهم، مَن استجاب للآخر بين الطرفين، في هذا الغياب عن «هايان»: الرأي العام أم الإعلام؟
لقد تمرّنّا في العالم العربي على الموت العراقي، وجاءت النتائج مذهلة تماماً. تفوّقت الشعوب على أنفسها في تقبّل الكوارث، وأوجدت حلاً سحرياً للتعامل مع الواقع الجديد: الإيماءة بالرأس. الاعلام العربي راضٍ بما يحققه: تلك الإيماءة الساحرة بالرأس.

يمكنك متابعة أحمد محسن عبر تويتر | @Ahmad_Mohsen