يستند جلبير الأشقر في كتابه الجديد «الشعب يريد» (صدر بالانكليزية والعربية عن «دار الساقي») الى أبحاثه المعمقة ومحاضراته والزيارات المتعددة التي قام بها والاتصالات التي أجراها في المنطقة. منذ الصفحات الأولى، يوضح الباحث والأكاديمي اللبناني في «جامعة لندن» أنّه «ليس من مؤيدي أي أنظمة عربية تصف نفسها بالتقدمية أو بالمحافظة، وخصوصاً تلك التي وصفت وتصف الانتفاضات التي حدثت في الدول العربية في السنوات الأخيرة بالتخريب والمؤامرة». يقول: «من جانبي، وصفت الانتفاضات الجارية منذ عام 2011 بأنّها تشكل سيرورة طويلة الأمد (مما يعني عدم اكتمال الحدث) لأنّ الثورة هزّت معظم البلدان العربية ولم تسفر عن انتفاضة معمّمة مع أنّه من المرجح جداً حدوث انتفاضات أخرى في السنوات والاشهر المقبلة. أسباب هذه الانتفاضات أعمق من مجرد البُعد السياسي، ومواجهتها تتطلب تغييرات اجتماعية واقتصادية عميقة، اذ لا يوجد حل مستدام للأزمة من دون تغيير الجذور المسببة لها».


ويضيف أنّه «بين دول العالم الثالث، فانّ منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، هي التي تشهد أزمة التنمية الأشد حدة». ويقدم تفاصيل وجداول تؤكد هذا الأمر، موضحاًَ: «يمكن تلخيص الوضع الاجتماعي الذي يواجه سكان العالم العربي بكلمات ثلاث: الفقر، اللامساواة وعدم الاستقرار». وبعد توجيه انتقاد لاذع لبعض الدول العربية الغنية بالنفط في منطقة تملك وحدها أكثر من 56 في المئة من الاحتياطي النفطي العالمي، يستخلص متشائماً: «هبة النفط في المنطقة العربية يمكن أن تكون هبة مسمومة». واذا لم تستخدم بشكل تنموي، وتركزت فقط على المشتريات الهائلة للسلاح، فلن تحقق النمو الاقتصادي المطلوب. ويعتبر الأشقر بأنّ «دعم الدول الغربية لاسرائيل مرتبط بالمصالح النفطية الاميركية والغربية في المنطقة. وعندما لا تعود أميركا وحلفاؤها بحاجة الى اسرائيل كنائب عسكري عنها في الشرق الأوسط، فانها ستتخلى عن الدعم الهائل الذي تقدمه للدولة العبرية، كما فعلت في مؤتمر مدريد للسلام، عام 1991، عندما كانت اميركا في وضع قوي بعد حرب تحرير الكويت وأرغمت اسرائيل (بقيادة اسحق شامير) على حضور هذا المؤتمر برغم عدم رغبتها بذلك».
بالنسبة إلى نظرة الأشقر الى جماعة الاخوان المسلمين، فيقول «اعتباراً من السبعينيات، بدأ افلاس القوميين جلياً وتلاشت صدقية الشيوعية بتأثير الاتحاد السوفياتي، فانفتح المجال أمام توسّع جديد للحركة الأصولية». ورغم أنّ بعض الأنظمة التي شجعت الحركات الاصولية (الاخوان وغيرهم) قد تحولت ضدها لاحقاً، فقد «حافظ الاصوليون مع ذلك على نفوذهم في حركات الاحتجاج الشعبي الأخيرة في المنطقة». ويعتبر أنّ الانعطافة الاميركية نحو الإخوان جاءت في عهد الرئيس جورج بوش الابن، بعد طلاق دام طويلاً. في مصر نفسها وبعد تسلم انور السادات رئاسة البلد عقب وفاة جمال عبد الناصر في أيلول (سبتمبر) 1970، استخدم السادات الدين والاخوان كسلاح ايديولوجي في صراعه مع الناصريين واليسار والاتحاد السوفياتي. هكذا، أطلق سراح الاخوان من السجون وسمح لهم باستئناف انشطتهم. وخلال السنوات التالية، حظي الاخوان في مصر وفي فروعهم الاخرى في المنطقة بفرص متميزة لدخول عالم الاعمال والوظائف ولا سيما في مجال التعليم. واضطلع رأسماليون منهم (على شاكلة خيرت الشاطر) بدور متزايد داخل الحركة. لكن الاخوان اختلفوا مع اميركا وحلفائها بعد ترحيبهم بمجيء نظام ضد الشاه في ايران عام 1979، ومعارضة الاخوان بعد ذلك (في مطلع التسعينيات) لتدخل الائتلاف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لتحرير الكويت. وزاد في سوء العلاقة الاخوانية ـ الاميركية، حسب الاشقر، هجمات 11 سبتمبر 2001، وارتباط الاخوان المتصاعد ببعض سياسات قطر السابقة في الشرق الاوسط وبالشيخ المدعوم قطرياً يوسف القرضاوي وبقناة «الجزيرة» الداعمة في احدى الفترات لمجموعات متطرفة في المنطقة.
لكن الدفء عاد الى العلاقات بين واشنطن والاخوان وفق المؤلف عام 2005 اثر انتشار فلسفة وزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس الرامية الى التصالح مع شخصيات اسلامية تواكب المشروع الاميركي (انذاك) في المنطقة. وبدأت مقالات القائدين الاخوانيين خيرت الشاطر ومهدي عاكف وغيرهما تنشر في الصحف الاجنبية. لكن شهر العسل لم يدم طويلاً خصوصاً بعد فوز «حماس» في الانتخابات التشريعية في فلسطين عام 2006. يشير الأشقر الى أنّ «الحركة الاسلامية فقدت الزخم في المنطقة العربية في السنوات السابقة لعام 2011، فقمعت في الجزائر وتونس في التسعينيات، وتخاذل الاخوان في مواجهة نظام الرئيس حسني مبارك في مصر وفي مواجهة الملكيتين الاردنية والمغربية، وتواطأ الاخوان العراقيون مع سلطات الاحتلال الاميركية في بلادهم». ولم يعارض التيار الأصولي ــ بحسب الأشقر ــ منطق النيوليبرالية الاقتصادية، بل «اكتفى بادانة الفساد من منظور أخلاقي، ودعا الى العمل الخيري بدلاً من المطالبة باصلاحات اجتماعية واقتصادية عميقة».
ويوضح الاشقر أنّ «الانتفاضات الشبابية في العالم العربي (...) هي ليبرالية سياسية وثقافية ممزوجة بحس حاد بالعدالة الاجتماعية. وبين قادتها شباب من عائلات مثقفة وميسورة (كوائل غنيم) ومن أبناء الطبقة الوسطى من مستخدمي الانترنت. وهؤلاء يشاركون في غالبيتهم في حضارة تحرير عالمية، ويشعرون بأنهم اقرب الى الساخطين في الميادين العالمية والاوروبية العامة منهم الى الاصوليين في الميادين العامة للمدن العربية، ومرجعيتهم ليست بالضرورة دينية اسلامية وانما ثقافية عالمية. وتجمع بينهم وبين السلفيين الذين جاوروهم في ميادين المدن العربية كون المجموعتين ضحايا للبطالة وانعدام الامان الاقتصادي اللذين تفرزهما الرأسمالية المعاصرة». ويؤكّد الأشقر أنّ دور نشاط الشباب على الانترنت كان حاسماً في تحول النضال إلى انتفاضة معممة. لكنّه يبالغ في دعوته لاستخدام العنف وتسليح الثورات العربية عندما يقول بأنّ الانتفاضة الجماهيرية مهما بلغ حجمها ليس لها سوى حظوظ قليلة في الاسقاط السلمي لنظام يملك حرساً «بريتورياً» ذا ولاءات قبلية أو طائفية أو اقليمية، ويقتضي بحسب المؤلف اسقاط نظام كهذا بالمواجهة المسلحة.
ولا يأخذ الاشقر في الاعتبار إمكان تحول القوى الثورية المسلحة الى مجموعات طائفية واثنية تمارس العنف الطائفي الوحشي غير المحدود كما يحدث في بعض البلدان العربية حالياً، بل يستطرد في مثاليته التي قد تنعكس سلباً على الموضوعية العلمية لكتابه. مثاليته هذه تقوده في مراحل كثيرة من الكتاب الى شن حملات قاسية على مجمل الدول العربية وأنظمتها من دون أن يربط هذه الامور بالصراع العربي ــ الاسرائيلي وقمع اسرائيل للعرب والدور الذي لعبه تأسيس دولة اسرائيل في نشوء انظمة رجعية وقمعية في العالم العربي، ونشاط اسرائيل وحلفائها الغرببين في تشجيع وتمويل ودعم الفوضى والانقسامات والصراعات الدموية في العالم العربي. ولعل مثالية الكاتب تتجلى في دعوته الى تقويض القوات المسلحة في بعض الدول العربية من الداخل في ما يشبه الانقلابات العسكرية. كأن التاريخ الحديث للعالم العربي لم يكن مشحوناً بهذه الانقلابات التي حالت دون النمو الاقتصادي والاجتماعي. وبعض تحليلات الاشقر في هذا المجال تندرج ــ ربما عن غير قصد ــ في خطط المجموعات العسكرية المتطرفة في المنطقة للاستيلاء على الحكم. ويتأسف الكاتب على أنّ العواصم الغربية وعلى رأسها واشنطن وموسكو، رفضت عسكرة النزاعات، وامتنعت عن التدخل العسكري وعن توفير السلاح للمقاتلين في نزاعات المنطقة خوفاً من استخدامه ضد مصالحها في الأجلين المتوسط والطويل.
كتاب الاشقر قيم في أبحاثه ازاء الفقر والبطالة والاستغلال في المنطقة، لكن بعض استنتاجاته، وخصوصاً هجومه على جميع الانظمة العربية ودعوته الى تبديلها بواسطة العنف في وقت تبقى اسرائيل المستفيد الأول من كل ما يجري من فوضى وقتل وتخريب في المنطقة تحتاج الى مراجعة. ولعله حان الوقت لانتفاضات جديدة كما يقول الاشقر، لكن هذه المرة ربما يجب أن تكون انتفاضات ضد العنف الطائفي الوحشي ضد الاقليات والابرياء.