بين الحفلات الكبيرة والكثيرة التي قدّمها منذ شتاء السنة الماضي، أحيا زياد الرحباني مجموعة أمسيات في حانات عديدة في بيروت وخارجها. لا يمثِل هذا السلوك الفني الحيّ استثناءً في مسيرته، إذ لطالما برمَج سنين عمله بهذه الطريقة، وخصوصاً منذ التسعينيات، أيام الـ «كي كلوب» وغيره من الأماكن التي أقفل بعضها لاحقاً. في الفترة الأخيرة، رسا زياد على محطتيْن أسبوعيّتيْن في ضواحي شارع الحمرا، الأربعاء في الـ«بلو نوت» (شارع المكحول)، والجمعة في الـ«راز» (شارع كليمنصو). وهنا يجب التوقف عند نشاط الرحباني الحالي قبل الكلام عن أمسية اليوم في الـ «بلو نوت»، التي يستضيف فيها الفنانة تانيا صالح. بدايةً يجب التنويه بالفرقة التي بات أداؤها يتمتّع بتماسك إضافي وتفاهم لافت، بفعل العمل والجهد المتواصل على برنامجٍ فيه الثابت وفيه المضاف تباعاً أو المتبدِّل ظرفيّاً. يمكن القول إن هذه الأمسيات هي أجمل ما يحدث موسيقياً في بيروت اليوم. أو لنقل إنها الأفضل إذا كانت صفة «أجمل» تحكمها الذائقة الخاصة. هي تحدث من دون ضجة، ورغم ذلك أو ربما لذلك هي أجمل بأشواط من نقيضها (في الضجة وبالتالي القيمة). بالمختصر: «إن الشاحنة الفارغة أكثر جَلَبةً من الشاحنة الملأى». الكلام لجورج برنارد شو، وقد استشهد به زياد في أحد مقالاته الأخيرة، من دون أن يقصد ربّما أنه ينطبق حرفيّاً على الحالة التي تكلّمنا عنها آنفاً.


من هذا المنطلق، ندعو الكلّ إلى ادخار ثمن تكاليف ليلة من هذه الليالي التي يقدِّم خلالها زياد وفرقته أفضل ما نعرفه منه في مجال الارتجال والإحساس والتقنيات المبرَّرة، تحديداً في ريبرتوار الجاز والفانك/ سول والبوسا - نوفا، تلك الأنماط التي ملك مفاتيحها منذ زمن، أما اليوم، فقد انهى تقطيرها نهائياً. لذا، معظم ما يُقدَّم يرتقي إلى لحظات موسيقية نادرة.
إذاً، بعد سلسلة أمسيات مع المغنية الأميركية سيندا رامسور، صاحبة الأداء الذي لم يشهد نشاط زياد الموسيقي الغربي مثيلاً له، ها هي تانيا صالح (الصورة) تنضم إليه في الـ«بلو نوت» الليلة، لتقدِّم برفقته اثنتيْن من أغنياتها الخاصة. أما باقي الأمسية، فينقسم بين الموسيقى الآلاتية (الصامتة) والأغنيات التي تتولى أداءها لوريت حلو (بعدما باتت سيندا راسمور ضيفة أمسيات الـ «زار») إلى جانب الفرقة المؤلفة من جان مدني (باص)، وسام صوايا (درامز)، ليتي النجار ونضال أبو سمرا (ساكسوفونات). علاقة تانيا صالح المهنية بزياد الرحباني ليست جديدة، فهي تعود إلى مطلع التسعينيات حين شاركت تمثيلاً وغناءً في تحفته المسرحية الأخيرة («بخصوص الكرامة والشعب العنيد» /1993 و«ولولا فسحة الأمل»/ 1994)، وبعد ذلك أيضاً (كورال في ألبومَيْ «بما إنو» و«إلى عاصي»)، أي قبل تفرغّها لمشروعٍ خاص استهلّته بألبومٍ (غير مُعنوَن) تعاونت في جزء منه، نصاً ولحناً وتوزيعاً، مع الموسيقي عصام الحاج علي، وشارك زياد عزفاً على البيانو في أغنية منه بعنوان «خلصو الدفاتر». لاقت باكورتها المسجّلة ترحيباً من الجمهور، إذ أتت مختلفة (وخصوصاً لناحية النص الواقعي) عمّا ساد في مجال الأغنية الشعبية بعد الحرب. بعد ذلك، شاركت في موسيقى فيلم «سكر بنات» لنادين لبكي (أغنية «مرايتي يا مرايتي») ثم عملت على ألبومٍ ثانٍ بعنوان «وحدِه»، صدر عام 2011 ورسَّخَت فيه أسلوبها الذي بقي مميَّزاً بكل مكوِّناته. أما اليوم، فتُعدّ لمحطة مسجلّة ثالثة بعدما أطلقت السنة الماضية أسطوانة حيّة بعنوان Live At DRM (2012). أخيراً، نذكّر أن زياد يحيي بعد غد أمسيته الأسبوعية في نادي الـ «راز» (366246-01)، حيث ينضم عادل منقارة (غيتار) إلى الفرقة وتحل آيبرِل سنترون مكان وسام صوايا على الدرامز، كما أنّ مسرحية «مجنون يحكي» (إخراج لينا خوري) تُعرَض استثنائياً يوميّاً هذا الأسبوع في «مسرح المدينة» (العرض الأخير مساء الأحد) لمحبّي المسرح... و/أو زياد المُمثل!





زياد الرحباني وتانيا صالح: الليلة في «بلو نوت» (المكحول ـ راس بيروت) ــ 01/743857