عماد محمود الأمين طبيب بارع في استخدامه لغةً لطيفة مع مرضاه. هذا ما يتجلّى بواقعية في كيفية التعامل معهم. لذلك، إنّ أول ما توحي به «الرفيقة وداد» (دار التنوير) هو تلك العلاقة بين الراوي ولغته. هذه الواقعية التي أبرزها في باكورته الروائية كانت سمتها الأولى؛ فعبّرت عن المعاش الذي يحاكي أبناء جيله، وأرّخت لحقبة زمنية تعطي صورة واضحة للَّذين لم يعيشوا تفاصيل تلك المرحلة، وخصوصاً في بعض القرى الجنوبية التي كان يغلب عليها العمل الحزبي، ولا سيما الشيوعي الذي كان ناشطاً وفاعلاً. هذا ما تبينه الرواية في فصلها الأول عندما «يستيقظ برهوم (أبو نجم) في تشرين الأول عام 1945م» (ص. 5).

تعايش الرواية حياة الرفيقة وداد، زوجة أحد الحزبيين (أبو نجم)، وتعرض مراحل حياتها القروية مع ناشط حزبي قبل الحرب الأهلية اللبنانية، فتُصوّر التغييرات الاجتماعية والثقافية التي دفعت وداد إلى تجارب متنوعة، قذفت بها إلى عوالم تتخطى حروفاً أولى عرفتها في حياتها القروية ثم راحت تقولها كلمات وجملاً، أوصلها إليها إهمال زوجها (أبو نجم) لها بسبب انشغالاته الحزبية. يرى الراوي هذه الانشغالات غير مجدية بعدما دخلنا في الحرب الأهلية وسيطر السلاح على المفاهيم الأيديولوجية.

تجسد الرواية حالة التعايش التي كانت قائمة بين قريتي فطر (المسلمة) وعين الوادي (المسيحية)، وكيف تحولت حياتهما بعد الحرب الأهلية. أتقن الكاتب نسج الزمن السردي مع الزمن الحكائي على نول الرواية. أما النسيج اللغوي، فحريره مختار بدقة، إذ تمكن الكاتب من علامات وقف لطالما كانت أقلام كثيرة تتخطاها وليس عن معرفة دائمة. وتنمّ موسيقى الجمل عن معرفة بالموسيقى يُسأل عنها الطبيب الكاتب. كذلك تحمل روايته كماً من التشابيه والاستعارات والتوريات يضفي شاعرية وجمالية في تمثيله للصور، إذ نجد الكثير من الأمثال والحكم والأشعار من أمهات كتب العرب الأدبية القديمة والحديثة. أخذت الرواية في بعض صفحاتها طابع المشهد الواقعي التقليدي (كأنها صورة عن تلفزيون الواقع)، فجاءت بعض الصور واقعية، ممّا أبعدها عن مشهدها الفني لمحبي هذا النوع من الأدب، فهو يتحدّث عن تجربة إنسانية يبرز فيها تصاعد الرغبة على الصبر وهذه تجربة غير معمّمة، ألا أنَّ واقع الحرب يفرض هذا التفلت النفسي الاجتماعي، المرتكز في أساسه على العلاقات الإنسانية الحميميّة التي تتجلى في العلاقات الجنسية. المشهدية أتت تصريحاً أكثر منها تلميحاً، وكنا نفضلها تلميحاً لا تصريحاً.
من ناحية ثانية، تحمل الرواية الكثير من «الكليشيهات» المتعارف عليها، معرضة بذلك النص للوقوع في فخ الخطبة على مستوى التصورات (representation)، ممّا لا يعطي القارئ الحق في الخيال وإعادة كتابة الرواية مع الراوي، كما يقول رولان بارت «بأن القارئ هو كاتب جديد للنص». أما في الرؤية اللسانية للرواية عن «من المتكلم؟»، مَن هو «شارد»، الخارج – الغائب أحياناً كثيرة عن النص، والمبحر أحياناً أخرى بين الأديب والكاتب، والمرافق لشخصيات الرواية كظلها داخل النص، فهو لا يشبه أحداً، وتدور حوله كل الشخصيات؟ ما الذي أراده الراوي من هذه الشخصية البارزة والمندفعة؟ هل هو يحاكي الذات؟ ذات الكاتب أم أنّ «شارد» يُخرج الكاتب في فضاءات أخرى كما يعبِّر عنه ميخائيل باختين (1895 ــ 1975) في نظريته عن تعددية الأصوات؟ صوت واحد في أربعة أصوات: المتكلم والأديب والرواية والشخصيات.
* أستاذ الألسنية المعلوماتية في «الجامعة اللبنانية»