لا يسع رجلٌ أن يشق نفسه، حتى لا يُجرّ الأطفال على الأرصفة في أعمال منهكة وطويلة، أو أن تتحوّل سيقانهم إلى خيطان، بارتجاف السيقان بالتعب والخوف في كبريات المصانع الآسيوية، المفصّلة أفخر الملابس بأيدي أفقر أولاد العائلات، البلا حجة بالأوضاع الاقتصادية غير الافتراضية المختلطة برقع البؤس الاجتماعي الكالح. لم يجد في ذلك إلا تخفيفاً من قبح رجال المنظومة الرأسمالية، بالحيل الجافة. لم يجد في ذلك، إلا إضعافاً، لعلامات الاستفهام، الطائرة فوق شقوق العالم المطرزة بإفرازات العولمة، الأسلوب غير المستقر، لا في الشعريات ولا اللسانيات ولا طرائق التحليل. لم يجد في العولمة إلا الذرائعيات، الضاجة بقياد الأطفال إلى بطش الآلة المعدنية والبشرية. بقيت صور الأطفال ترعبه، وهم ينساقون إلى فم الوحش أو جوفه. لا فرق. لأن الأول هو الطريق إلى الثاني. لم يخف شيئاً آخر، حتى الحرب. عبر الأخيرة بضحكة تقاس بالعرض لا بالطول.

لم يستعمل محمد دكروب، لا الوشم ولا الودع، حتى يهدئ الحشود التائهة خلف الصراخ والموت. وهو يهديها رسائله المكتوبة بيدين متعرقتين، ضد السقوط.

حمى الأطفال في الشوارع وعند المفارق وفي الكاراجات والمقاهي والنوادي الليلية، بتجاعيده المرصودة، على صفحة وجهه، وهو لا يزال/ بعد/ طفلاً يشبه الأطفال الحائرين، الواقفين على جلد الحرباء اللبنانية. جلد ممتد من أول خنجر مسلط عليهم، إلى آخر سيف. يستحق محمد دكروب، الإشادة، لأنه شيوعي ضد الشيوعية بحبال مطاطها المحترقة. لا علاقة لحذاء خروتشوف بذلك. ولا بغلاسنوست وبيريسترويكا غورباتشيف. ولا بالإصبع الناقص، بيد لاعب كرة اليد الشهير المعروف بيلتسين، وهو يقف على ظهر دبابة، موجّهاً الشعب والبلاد إلى الانقلاب المدوي على النظام الشيوعي المخفف، مع آخر الرؤساء السوفيات، بتغطية من الفاتيكان وأميركا، عملاق الضفة الأخرى.
لم يدر الرجل حول الأفكار، لم يستهلكها. وجد أنّ استهلاكها بالطرق السائدة، لا يقود إلا إلى العدم. لم يتفكر كثيراً بذلك. لم يستعمل تقنيات الجدلية المادية، ولا أي تقنية أيديولوجية أخرى. ذلك أنه أكّد اللاحق بالسابق، باحساس عال بلا فلسفة أو تنميق أو تذويق. جعل من «سؤال الروح»، بحسب هايدغر، واحداً من أقطاب الأسئلة الكبرى في حياته. هكذا مضى، ضد النمذجة والنموذج. لم يفاخر ولم يهاتر. هكذا مضى، ضد التأليه، ضد المتحف والمتحفية. ضد الحزب، لأنه استعمل الوجود في قراءة الصيرورة. لا مبالغة في ذلك. الرجل، الطائر فوق طموحات تأييد الحجة، في الطريق إلى الانتساب إلى مراكز القرار، لم يهبط في اللجان المركزية والمكاتب السياسية، مرحباً بآثاره ولا بمائه الطافح بالواجب، كما فهم الواجب، منذ مسه الإحساس بالواجب مساً خفيفاً. شد عمره، بحيث قاده العمر وهو يقوده، إلى الصراط الإنساني. هذا رأسماله، أو مقدمته الدائمة إلى الانخراط في الصراعات، على تحقيق أمن الإنسان وفرحه وسعادته، لا السلطة. رجل ضد العبادة والحرير والتسري والرعب.
صنع الدكروب حضوره بالقيمة، لا بالتفكيك. صنع ذلك، بالمصدر الأول، بالينبوع. لا بالافتراض. هذه بداهته الحاسمة. لا المجموعة المترابطة من المفاهيم. رجل سياق، لا رجل منظومة، ما لم يقده إلى الانغماس في أي نمط من أنماط الغموض الايديولوجي. فوّر الرجل قهوته على سرير من قش، بفراش من ضرورة وافتراضات بسيطة، صائبة. لم يلن أمام الفجائع. فجيعة اغتيال الشيوعيين على أسرّتهم أو في الطرقات والتشنيع بحيواتهم برميهم، بقواهم المولدة المقتولة بالحقد، على مزابل بيروت. لم يلن أمام النوافذ المرتعشة، حين مرّ الرفاق أمام ألوانها المقشرة إلى بيوت بنوافذ أخرى. لم يعاد كل صيغة جديدة أو شكل أساسي في العمل الحزبي. وجد في خروج رفاق من الحزب إلى اليسار الديمقراطي، جزءاً من الفاعلية السياسية للحزب. شكل من فرادة الروح. فرادة الروح محفورة بروحه. هكذا، أدرك أنّ الحقيقة، لا ما يعجبك. هكذا، ساهم في خلق التحديد، كماركسي لينيني، لا كستاليني. لم يستدعِ الخروج على الحزب، لصاحب العينين المخفوقتين بالقلق والبرق الصيفي والغيم والسؤال الدائم المستوطن، الدائر على الحياة والموت والحب، لم يستدعِ كراهيته لأحد. الأخير درعه، لا سيفه. الأخير كتابه، في مجموع كتبه المؤلفة، بقلم الأمي القديم، الواجد في الأمية خطر الظلمة وامتدادها، فوق كل خصب وكينونة. هذا رجلٌ، غير قابل للقياس على أي مسطرة. رجلٌ ضد النسيان، يقف خلف أسلاك أحلامه، من دون تعصب أو دحض منوط بالشكليات أو أطروحات الاهتزاز على قوارب الآخرين. لم يعلن الدكروب أنه ضد التسلية. لم يعلن أنه ضد التسلية العريضة. هو ضدها، لا ضد التسلية. لا بأس من نتفة صغيرة من الكوميديا، غير أن الانتباه يبقى ضرورياً من ارتدادات التسلية العريضة، في وعلى حياة الناس. هذا صاحب جودة روحية، لأنه بقي قادراً على أن يسامح. لم يقل إنّ من أساء اليك، امتلكك بالإساءة، وان الطريق الوحيدة للتحرر من امتلاكه لك، بأن تسامحه. فهم ذلك، من ارسالاته البلا تحديد. لذا، جاءه الموت، كما تجيء قواعد النحو والصرف إلى الجملة العربية الفصحى، غير مؤلمة وغير منتظرة، حيث تبقى ميزة الجملة بانتظار ميزة أخرى. جاءه الموت بصورة نسر، محلّق فوق اكتماله التاريخي، من إنجاز المهمات التاريخية المنوطة به، مذ دفع إلى أن يقطن في مجلة «الثقافة الديمقراطية»، مجلة الحزب الثقافية/ السياسية، وهو لا يزال بلا معرفة ولا دربة. وهو لا يزال، خارج حركة التشابه المنطقي مع الحزب ومسؤولي الحزب.
كتب الدكروب، المهم والأعلى. قاد نفسه إلى ذلك، منذ راسل جريدة «التلغراف». البوليتاري، غير الرث، بدأ الكتابة بالمراسلة. كتب في «قصص للجميع» القاهرية وفي «الألواح» اللبنانية للسيد صدر الدين شرف الدين و«الآداب». كتب بلا أنماط تعيين. كتب لكي ينوجد. لكي يحيا، لكي يعيش، لكي لا يموت. ذلك أنّ ثمة بوناً شاسعاً بين العيش ومقاومة الموت. فتحت «الآداب» الآفاق الأعرض في حياته. غير أنّ «الطريق» هي ملحمة محمد دكروب، على نحو صارم، حين دفع بها إلى مقدم المشهد الفكري في العالم العربي. أربعون عاماً بين يدين من قوة ونشاط استثنائيين. إنها أمانته الكبرى. إنها صحن كتابه غير المكتوب، صحن استدعاء غير الشيوعيين إلى تقبيل الشيوعية بلا أثمان. بالمجان. محمد دكروب ضد الحيزية، ضد القوقعة. إنه في ذلك، مفارق غير موهم. وهو كذلك، إذ كتب في النقد المسرحي، مساهماً في انبثاق أسئلة الزمان في المسرح العربي. محاضر، منتدٍ، مثاقف بلا ترفع، بصياغات حنونة. امتيازه بالكتابة. التقط الحرف بجمرات. كتب بالنار «جذور السنديانة الحمراء». كتب «دراسات في الإسلام» و«الأدب الجديد والثورة» و«شخصيات وأدوار في الثقافة العربية الحديثة» وكتب كتباً أخرى. كَتبَ، الهزيل كالهواء، السمكري، الوراَق، بائع الأكياس في الأسواق التجارية القديمة، في أخطر الموضوعات. علَم نفسه بحركة عنقه، لا بالورق، حتى استطاع أن يكتب وجهه واسمه على العشب والماء. ثم أخذه الموت من طفولة تسمى، إلى غياب لا يسمى.
ابتدع الرجل البسيط أعقد القضايا، بيدين من طبيعة اليدين. انفتح على شاشة الرؤى الجديدة وهو في الثمانين. يغيب وهو في الخامسة والثمانين، على بساط رقيق من أحباب وأحداث واسس لم يتغاضَ عنها، متخففاً من الروح الأرثوذكسية في التعاطي مع الاشتباك البلدي والاصطفاف والانحياز بأرواحه النازية والفاشية، بين قوى تستقوي على الجمهور بالجمهور. لم يتنمر الدكروب في موقعة أو حرب. تدري ذلك، صغار العصافير المعششة على جفنيه المسقسقين بدموع الرجاء على بلاد بلا رجاء.
إهداء إلى أياد داغر
* كاتب وناقد مسرحي