أول من أمس، افتتح المخرج أنطوان أشقر مسرحيته «رسالة حبّ» للاسباني فرناندو آرابال (1932) الذي يعتبر من أكثر الكتّاب الذين انتقلت نصوصهم إلى خشبات المسرح في العالم. تتناول المسرحية التي كتبت عام 1999 موضوع الحرب الأهلية في اسبانيا ووقعها على المجتمع من خلال تصوير انهيار عائلة وتشرذمها في تلك الفترة. يمرّ شريط الذكريات عبر مونولوجات طويلة للأم (رلى حماده) التي تستحضر لحظات الحب الجامحة في علاقتها مع ابنها (جاد خاطر) بعد مقاطعته لها بسبب شكوك تساوره حول إمكانية أن تكون هي التي أودت بأبيه الى السجن.


تعكس هذه القصة تجربة الكاتب الحقيقيّة في صغره حين سُجن والده المجند بسبب رفضه الانضمام الى صفوف جيش الانقلاب في اسبانيا إبان الحرب الأهلية، ثمّ هروبه واختفائه من دون أي أثر له حتى الساعة. تركت هذه الصدمة بصمتها في أعمال أرابال، إلا أنّ النص لا يطرح قراءة للجانب الشخصي لدى الكاتب، بل يطرح تداعيات الحرب على أصغر خلية اجتماعية وأهمها وهي العائلة. في يوم عيد ميلادها، تنتظر الأم رسالة من ابنها بعد سنوات طويلة من الانقطاع، فتأتي الرسالة معبأة بالملامة والاتهامات والشروخ كأنّ الحرب نفسها تدور على نطاق أضيق بين أم وابنها.
لعل الكاتب أوحى لنا بالحبّ الجامح الذي يكاد يصل الى سفاح القربى بينهما كي يكون وقع الشرخ أقوى. ومن الممكن هنا طرح أسئلة أعمق في ما يتناوله أرابال حول سفاح القربى عبر مقاربة مع التراجيديا الإغريقية (الملك أوديب) من جهة، ومع المقترب النفسي لـ«عقدة أوديب» (نظرية العالم النفسي سيغموند فرويد) من جهة أخرى، حيث يتوق الولد الى حب والدته ويتمنى إبعاد والده عنها ثم يتخطى العقدة في الوضع الطبيعي لاحقاً. إلا أن الكاتب الاسباني بدّل الأدوار حيث تبعد الأم زوجها وتتوق الى حب الابن بينما يرفض الأخير حبها. تشير هذه التركيبة الجديدة الى تشوّه وانحراف في ديناميكية العلاقات بين أفراد العائلة الواحدة. إذا كانت الحرب الأهلية أدت الى انحرافنا عن السكة السليمة، فهل هناك أمل للعودة الى المسار الصحيح؟ أم أنّنا تشوهنا الى الأبد؟ «هل نستطيع أن نطوي الصفحة؟» إنّه السؤال الذي يطرحه أنطوان أشقر عبر تقديم المسرحية الاسبانية على خشبة المسرح البيروتي كي يحاكي الواقع اللبناني بعد حرب أهلية دامت طويلاً وما زلنا نعيش تداعياتها حتى اللحظة.
أدخلنا أشقر الى فضاء متقشّف فارغ إلا من مكعبين يشكّلان منصة لعب للممثلة رلى حماده ذات الحضور الجذاب والنبض الداخلي القوي التي حافظت على إيقاع العرض منذ بدايته حتى نهايته ورسمت حركتها بخفة في الفضاء المسرحي. اعتمد أشقر على إدارة الممثل كعنصر أساسي في العرض طغى على باقي العناصر الإخراجية، وقد ربح الرهان مع الممثلين اللذين أديا دورهما بشكل موفق. ورغم أنّ حماده تملك أدواتها كممثلة بشكل رائع، إلا أنّه بدا أن تقنياتها كممثلة طغت على إحساسها في ما تفعله وتقوله. ولذلك، من الأفضل تطوير عنصر العفوية ودرجة الإحساس في الأداء. وقد يكون مصدر هذه الثغرة نابعاً من لبننة النص الذي حمل بعض المصطلحات والتعابير الشعرية التي لا تحاكي المعيش اللبناني بشكل عفوي من حيث اللغة.
قبل نهاية المسرحية، عرضت بعض لوحات الاسبانيين غويا وبيكاسو على الشاشة مع صور تعود الى الحرب، إلا أنّ عرض تلك اللوحات لم يشكّل علاقة عضوية مع ما يدور على الخشبة. كان مجرّد عملية إرجاع إلى تلك الحقبة والمكان، وساعد في إحساس مرور الزمن. وقد تكون اللحظة الأخيرة في العرض هي الأقوى على صعيد التعاطف مع الشخصية لأنّها تجسد النفس الأخير للإنسان بعد مجابهة المعارك. لقد عمل عليها أشقر من خلال عملية انقلاب جريء على الأسلوب المسرحي الذي كان متبعاً من التعبيرية الى الواقعية. حوّل الفضاء التعبيري في المنصة التي كانت تنبض بالحياة وحرارة الحب والحروب الى فضاء واقعي عبر سرير تجلس عليه الأم في وضع جسدي هزيل. تأتي الممرضة (سيرينا الشامي) التي تؤدي دورها بشكل واقعي بعيد عن مستوى اللعب الذي شهدناه طوال المسرحية. يؤكد ذلك على عملية الشرخ التي شكلت ثنائيات متناقضة انطلاقاً من التناقض الملموس في الأسلوب المسرحي بين عالمي التعبيرية والواقعي، مما دفع الى استحضار التناقض بين عالمي الماضي والحاضر، الخارجي والداخلي، قبل الحرب وما بعده، الحب والوحدة، الشعور الجامح والخدر... هذا الشرخ بين العوالم وطرح ثنائيات متناقضة هو الفعل الأساسي للحرب التي تطيح بنا الى نهايات غير متوازنة ومثقلة بالقلق، وقد تمكّن أشقر من الإضاءة عليها لطرح ما إذا كنا نستطيع بدء حياة جديدة على سرير العجز والمرض في عالم قطعت الحروب أوصاله.

«رسالة حب»: حتى 10 ت2 (نوفمبر) ـــ الصالة الصغيرة في «مسرح مونو» ـــ للاستعلام: 01/202422




أنطوان أشقر مسيرة حافلة

أنطوان أشقر فنان لبناني حائز شهادة الدكتوراه بشرف في الفنون المسرحية من جامعة «ألكالا دي هيناريس» في مدريد عام 2004 بعد تخرّجه عام 1990 من معهد الفنون الجميلة في بيروت. منذ عام 1987، عمل ممثلاً في العديد من المسرحيات مع مخرجين كثر أبرزهم أنطوان ملتقى، ريمون جبارة، كميل سلامة، شكيب خوري، وميشال جبر. وعمل أستاذاً محاضراً في «جامعة القديس يوسف» وفي «جامعة الروح القدس» وما زال يعمل في الجامعة اللبنانية أستاذاً في قسم المسرح. «رسالة حب» هي أول عمل إخراجي طويل له بعد مسيرة حافلة من التمثيل المسرحي والتلفزيوني والسينمائي.