منذ الثمانينيات، كرّس عبد الله إبراهيم (1975) جهده لدراسة الظاهرة السردية العربية من موقع مغاير. وجد في هذه الظاهرة «قارة لم تُكتشف بعد» تمثّل «مسار التاريخ البشري لمجمل الوقائع الكبرى للمجتمعات العربية»، لكن هذا الاهتمام بالمدوّنة السردية، لم يمنعه من الإشارة إلى تأخر الرواية العربية مقارنةً بمثيلاتها في أميركا اللاتينية، وأوروبا، واليابان، والصين، معلّلاً هذا التأخر بغياب الحريّة، وضحالة التجربة الذاتية، وقلة الإطلاع.


ينطوي مشروع إبراهيم على محاولة جديّة لتقويض المفاهيم الراسخة عن تمثلات السرد العربي التي ألحقته بخطاب المركزية الأوروبية، لجهة النشأة والأسلوب والشكل. في عمله الجديد «السردية العربية الحديثة» الذي أتى في مجلّدين (المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت)، يقوم بتفكيك الأصول الأولى، وصولاً إلى الشكل السردي الجديد، أي الرواية العربية. قراءة مغايرة تنسف النظريات القديمة في السرد عبر فحص التفاعلات الثقافية في القرن الـ 19 الذي شهد أفول سرديات الموروث الثقافي القديم، وبزوغ سردية جديدة تمثلها الرواية أولاً. يعترف الأكاديمي العراقي بأنّ إعادة تركيب سياق مختلف للحقبة الثقافية التي ربطت نشأة الرواية العربية بمقولات الخطاب الاستعماري ونتائجه، تبدو مهمة شاقة نظراً إلى رسوخ هذه المقولات في المجتمع الأدبي. ويربط انحسار السرديات القديمة بتطور أشكال التلقي والانتقال من الشفوي إلى الكتابي في عملية تراكم بطيئة، امتدت ألف عام، فيما استمر انهيار هذه السرديات قرابة قرن كامل في تفاعلات مركّبة، وليست نتاج نص طليعي أوجد تياراً مختلفاً عمّا هو سائد. وتالياً، فإنّ الخطاب الروائي العربي، لم يتطوّر خطياً، بقدر خضوعه لتحوّلات متشابكة، أبعد ما تكون عن التصورات الأدبية الاستشراقية التي واكبت الحملة الفرنسية على مصر، واتخذها بعضهم عتبةً للحداثة العربية.
ينبّه صاحب «موسوعة السرد العربي» إلى أخطاء وخطايا فادحة ارتُكبت في تأريخ الرواية العربية، وإلحاقها بسرديات وافدة، وقوالب جاهزة، فهو يعيد تطوّر السرديات العربية، إلى حدّ ما، إلى انتشار التعليم والتعريب والاختلاط بثقافة الآخر، لا حصيلة وصفات سردية كولونيالية.
هكذا شهد السرد العربي، ابتداءً من القرن التاسع عشر تحوّلاً، لا قطيعة عن النسق التقليدي عبر التفكك الداخلي للمرويات السردية القديمة تحت وطأة التحولات الثقافية والاجتماعية، وتداخل الأجناس، والتطور اللغوي بتأثير الصحافة، وبزوغ السرد العربي الحديث المتمثّل في الرواية ونقدها. عنيت بعض مجلات القرن التاسع عشر بقواعد كتابة الرواية، وهو ما نجده في كتابات سليم البستاني، وجرجي زيدان، وقسطاكي الحمصي، ورائد الرواية العربية خليل الخوري في روايته «وي. إذن لست بإفرنجي» (1859)، لكن هذا التحوّل، ليس صنيعة «رواية الإفرنج» بقدر اتكائه على «رصيد الموروث المتفكك» وفقاً لما يراه عبد الله إبراهيم، وهو بذلك يفترق عن النظريات الأخرى في تتبع أصول الرواية العربية، ساعياً إلى تأصيل وعي نقدي متحرّر من ثقل الفرضيات الشائعة بتأثير النظرة الغربية في مناوشة «التركة السردية الثمينة».
المجلد الثاني الذي حمل عنواناً فرعياً هو «الأبنية السردية والدلالية»، يحتفي بعدد من الروايات العربية بوصفها نوعاً من «المرويات الكبرى»، التي تصوغ الهوية الثقافية بين قوسي المدوّنة النصية والخطاب التعدّدي، مما أفضى إلى «تركيب عوالم متخيّلة مناظرة للعوالم الواقعية»، لكنّ هذا الحضور للرواية في الفضاء الاجتماعي العربي، لم يمرّ بسهولة إلى الذائقة العامة. واجهت الرواية في نماذجها المبكرة احتجاجات ساخطة، ونظرة دونية إلى صنّاع الخيال، إذ عدّها الإمام محمد عبده نوعاً من «الأكاذيب الصرفة». هكذا واجه محمد المويلحي بعد نشر كتابه السردي «حديث عيسى بن هشام» موجة من الاستهجان، فيما وقّع محمد حسين هيكل روايته «زينب» (1912) باسم «فلّاح مصري».
حالما نغادر حقبة البدايات حتى تطلّ تجربة روائية تحمل شرعيتها الكاملة، وتتمثّل في تجربة نجيب محفوظ المبتكرة التي «لم تشح بوجهها عن التركة السردية القديمة، ولم تتنكّر لها». تتسرّب إليها «القيم الأبوية» الموجودة في المرويات السردية القديمة، رغم التفاتها إلى الأحياء الشعبية في القاهرة، باستثمارها لغة المرويات الشفوية ولغة المدوّنات الكتابية الفصيحة. وبذلك يكون محفوظ من أوائل الروائيين العرب الذين خلّصوا الرواية من الصيغ الجاهزة عبر تطوير أساليب المرويات، وطرائق التعبير اللغوي، لتدخل بعده في مسالك متشعّبة تجد تمثلاتها في تعدّد المرجعيات الثقافية. وهو ما تمثّله تجارب الطيب صالح، وإبراهيم الكوني، وفؤاد التكرلي، وغسان كنفاني، وآخرين، من خلال بناء وظائف متنوعة، وضعتها في سياق آخر، أكثر حراكاً وتنوّعاً في إنتاج حكاية متخيّلة وطرائق تشكّلها في آن واحد، ما أفسح المجال لتفوّق طرائق السرد على أهمية الحكاية، أو السرد الكثيف على السرد الشفّاف، وصولاً إلى اشتباك الراوي بالحكاية (أمين معلوف)، وتوظيف تقنيات السرد في الحكاية (غالب هلسا)، وتداخل المستويات السردية (مؤنس الرزاز). وسيتجلى الوعي الروائي بتقنيات السرد الحديث طرداً مع انتشار شبكة التلقي، إذ أخذت الرواية العربية موقعها المتقدّم، بين الأجناس الإبداعية الأخرى. وهي بذلك تربط ما انقطع من وشائج بين كنوز السرد القديم، والتخييل الحديث، في تمرّد صريح على المرجعيات الرسمية المغلقة. وهذا ما رسّخ فكرة عصر الرواية بامتياز في الوقت الذي انحسرت فيه قدرة الأنواع الأدبية الأخرى على التأثير، أو الإسهام في تمثيل التصوّرات الكبرى عن الذات والآخر.