ما نراه في تجربة أنور ابراهم، وتحديداً في «عيون ريتا المذهلة» هو النوع الثاني من النسيج الأفقي، أي التأليف الهيتيروفوني. لكن ما ابتكره في هذا النوع، هو حذف العنصرين الأساسيين: الارتجال والجنس الزلزلي الذي يحوي ثلاثة أرباع الطنين، واستبدالهما بالمقامات الغربية والتدوين «النظيف» لكلّ عازف. قد تأتي هذه التجارب المماثلة لتحاكي الأذن الغربية، أي «تفلتر» ما ينفر منه المستمع الغربي كالمقام الشرقي، أو ما يسمى الفوضى الشرقية، حيث لا يُكتب للعازف نصه بهدف إعطائه مساحةً ليعيد حياكة النص المحفوظ.


لا نستطيع إنكار المنظور الجمالي لإنتاج أنور ابراهم. لا شك في أنّه يجذب المستمع بشدة، ويدخله في جوٍّ تأملي، لا يحتاج فيه إلى تحليل ما يحدث من حياكة موسيقية. أما عن تشبيهه بالجاز، فكان يمكن أن يأخذ هذا المجال (ولو أنّه ذو طابع أفقي) لو لم يهمِّش عنصر الارتجال، فهو الذي يأخذ المستمع إلى النشوة التي تُعَدّ عنصراً أساسياً في موسيقى الجاز.
آلاتياً، نرى اختياراً مميزاً مع كل عمل لابراهم، فعمله «برزخ» اقتصر على الكمنجة والعود والإيقاع، في مزيجٍ متجانس إلى حدٍ كبير، وهذا ما ينطلق على أعماله اللاحقة. رأينا اجتماع الكلارينت والناي ثم الساكسوفون والعود، وحوار البيانو والأكورديون، إلى أن وصلنا إلى «عيون ريتا المذهلة» المهدى إلى روح الشاعر الفلسطيني محمود درويش.
في هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى أنّه حين نتحدّث عن التأليف العمودي، نقصد طريقة هارمونية، حيث تولد الميلودي من رحم الكوردات (وليس العكس) التي تتسلسل ضمن قوانين معينة تتغير من عصرٍ إلى آخر. أما حين نتحدث عن النسيج الأفقي، فيجب أن نتطرق إلى شقين: الأول بوليفوني، وهو الذي ساده جوهان سيباستيان باخ. يأتي التأليف بشكل جمل موسيقية ميلودية مختلفة يُبنى بعضها فوق بعض، متبعةً قواعد دقيقة تعود لعلم «الكونتر بوان». أما الشق الثاني من التأليف الأفقي، فهو التأليف الهيتروفوني، كما سمّاه علماء الإثنوموسيقولوجيا. وجد هؤلاء أنّ في موسيقى «الشعوب»، وتحديداً في ما استعمروا من بلادنا، قوالب تؤدى ضمن تخت شرقي. لا يُدَوَّن النص في هذا التقليد الموسيقي، ليس بسبب ضعف التدوين الموسيقي بل كي لا يُحصر الأداء بشكلٍ واحد. النص محفوظ في ذاكرة كل عازف (مبدع)، يؤدي الجملة الموسيقية بطريقة مختلفة في كل مرة (improvisation monomodulaire). ما يميز هذا النوع من التأليف (أو التقليد الموسيقي)، عنصران أساسيان، أعطياه مكاناً وفئةً في علم الموسيقى: الارتجال والجنس الزلزلي. الأول يضيف إبداعاً وخلقاً خلال كل الأداء وفي كل مكانٍ وزمان، والثاني يعطي أفقاً ومجالاً للعازف لإظهار مهاراته ومخزونه الموسيقي، وتنويع أمزجة المستمع من عشرات المقامات المخزنة، حيث يدعوه إلى تخطي روتينه والارتقاء إلى ما هو أكثر تحدياً من الاستماع إلى موسيقى طونالية خفيفة (عندما تستعمل في هذا النمط من التأليف).