تونس | يعود أنور ابراهم (1957) إلى بيروت بــ «عيون ريتا المذهلة»، العرض الموسيقي الذي قدمه للمرة الأولى في «مهرجان الجاز في قرطاج» في ربيع ٢٠١٠، وفي «مهرجان الحمامات الدولي» في صيف ٢٠١٠، لكنّ ابراهم صمت منذ أن غرقت بلاده في أحلام «الربيع العربي» وأوهامه.


«عيون ريتا المذهلة» (2009) هي تحية للشاعر محمود درويش من خلال استحضار قصيدته الشهيرة «بين ريتا وعيوني بندقية». يجمع العمل بين ابراهم على العود، وثلاثة عازفين، هم الألماني كلاوس غِزينغ (كلارينت باص) والسويدي بيورن ماير (باص كهربائي) واللبناني خالد ياسين (إيقاعات شرقية ـ الدربكة والبندير).
لم يكن صعباً الحصول على موعد مع أنور ابراهم في ورشته في ضاحية قرطاج وراء السكة (حديد القطار)، وهي السكة ذاتها التي كانت موضوعاً لمسرحية رجاء بن عمار والمنصف الصايم في فضاء «مدار»، الذي لا يبعد الا خطوات عن ورشة ابراهم في «نهج أشتون» في ضاحية قرطاج، التي تشهد على المجد الفينيقي.
في طقس قائظ عشية «صيف هندي»، وصلنا إلى ورشة أنور ابراهم الذي استقبلنا بلطفه المعتاد وابتسامته الهادئة. مضت خمس سنوات على آخر لقاء جمعنا في سينما «أفريكا» قبل أن تغلق أبوابها ويشرَّد فريقها بسبب السلفيين، الذين خربوا البلاد وأفسدوا مناخها الثقافي.
كان لا بد من بدء حديثنا عن بيروت، التي يقدّم فيها أمسيته غداً. يقول «عرفت بيروت للمرة الأولى عام 1994. كانت آنذاك تلملم خرابها وتحاول النهوض مجدداً بعد حرب أهلية مدمرة تواصلت 20 عاماً. ومنذ تلك السنة، لم انقطع عن زيارة بيروت. وحين بدأت حرب تموز ٢٠٠٦، شعرت بخوف كبير من عدم عودة بيروت ولبنان إلى المربع الأول، لأني أعرف ما الذي يمكن أن تحدثه الحرب من خراب». ويتابع: «كنت أريد أن أفعل شيئاً. أن أعبّر عن تضامني مع بيروت وأهلها ومع لبنان الذي قدم الكثير إلى الحضارة الإنسانية. وردت في خاطري فكرة إنتاج فيلم تسجيلي يوثق للحرب، ويرصد تفاعل الشارع الثقافي والسياسي مع ما حدث، وما يمكن أن يحدث. قررت السفر إلى بيروت ولم أكن أملك أي تمويل للفيلم. وجدت في صديقي المنتج الحبيب بلهادي الحماسة نفسها، فسافرنا إلى بيروت ووصلنا في اليوم الثاني على فتح المطار، فكان فيلم «كلمات ما بعد الحرب» بمثابة العلاج النفسي لي. كان حديثي مع الأصدقاء بمثابة البحث عن دواء لقصة عشق لا تصدق ربما». يأخذنا الحديث بعدها إلى «الربيع العربي»، الذي داعب أحلام الفنانين والشعراء، أولهم أنور ابراهم، قبل أن يكشف تدريجاً عن وجه قبيح عنوانه الدم والعنف والحروب الأهلية، يعلّق ابراهم: «أشعر بالخيبة والمرارة ككل التونسيين. شخصياً، عشت تفاؤلاً كبيراً لمدة عام تقريباً منذ «١٤ يناير» 2011. بعد حوالى ثلاث سنوات، كل المؤشرات تبعث على التشاؤم». ويحمّل ابراهم مسؤولية ما آلت إليه تونس إلى النخبة الحاكمة، لأنّها لم تعمل على خلق مناخ ملائم للتوافق الذي يَعدّه المنقذ الوحيد لتونس من كابوسها، فالإسلاميون الذين يحكمون اليوم دخلوا في علاقات عدائية مع كل الأطراف. ويضيف: «أشعر بأنني تعرضت للخيانة من مناضلين كنت أحترمهم وأقدّر شجاعتهم ونضالاتهم ضد الديكتاتورية، لكنهم سقطوا اليوم في ما يسمّى عمى السلطة». يعترف بأنّه لم يكنّ أي عداء للإسلاميين، بل كان يرى أنهم قد ينجحون في الحكم والتأسيس لتجربة جديدة على أسس ديمقراطية مع احترام الحريات والقانون وتكريس مفهوم المواطنة والإيمان بالجمهورية. ورغم مؤشرات التشاؤم اليوم، إلا أنّ ابراهم يرى أنّ مهمة الفنان والموسيقي أن يبشّر بالأمل عبر الإبداع. لذلك، فهو يستعدّ لعمل موسيقي جديد ستنطلق التمارين عليه في أيار (مايو) ٢٠١٤ وسيصدر في ألمانيا في تشرين الأول (أكتوبر) من العام المقبل.

أنور ابراهم، «عيون ريتا المذهلة»: 21:00 مساء الغد 15 ت1 (أكتوبر) ـــ «ميوزكهول» (ستاركو ـ بيروت) ــ للاستعلام: 01/999666




النوارة العاشقة

منذ «النوّارة العاشقة» في أواسط الثمانينيات، قدّم أنور ابراهم أعمالاً زاوجت بين الموسيقى الشرقية، التي تعلّمها مبكراً على يد أساطين الموسيقى في تونس سنوات الصبا، وموسيقى العالم من جاز وبلوز. وتعدّ أسطوانة «عيون ريتا المذهلة» آخر أعمال ابراهم، بعد سلسلة من الألبومات الذائعة الصيت، مثل «حكاية الحب غير المعقول» (1992) و«مدار» (1994) مع عازف الساكسافون النرويجي يان غارباريك، و«خُمسة» (1995) و«ثمار» (1998) مع البريطانيين جون سورمان وديف هولاند، و«مقهى أستراخان» (2000) و«خطوة القط الأسود» ( 2002)، و«النوارة العاشقة» مع لطفي بوشناق.