البحث عن جثة المفقود، عن المستور، عن الغائب، عن الأسرار، عن الماضي وخصوصاً البحث في خبايا الحاضر... رحلة غاصت فيها إليان الراهب في فيلمها الوثائقي الجديد «ليال بلا نوم» الذي بدأ عرضه أخيراً في الصالات اللبنانية. ببراعة وشجاعة وعصابية، ألقت المخرجة اللبنانية نفسها بالتعاون مع المخرج الفلسطيني نزار حسن (منتج ومونتير وكاتب سيناريو الفيلم) في مغامرة دامت حوالي ثلاث سنوات.


الظاهر في «ليال بلا نوم» أنّه يحكي قصة مريم السعيدي التي تبحث عن ابنها المفقود ماهر الذي قاتل في معركة كلية العلوم اللبنانية (الحدث) عام 1982 ولم يرجع من وقتها. تحاول مريم إيجاد الأجوبة عند المقاتل السابق في «القوات» أسعد الشفتري الذي ندم على ماضيه وحاول بكل الطرق غسل يديه من دماء الحرب الأهلية. نفترض بطريقةٍ أولية أنّ الفيلم يتناول موضوع الضحية والجلاد، ويحاول مصالحتهما، لنجد في الواقع فيلماً يتخطى هذا الطرح المبسط ويحمل تعقيدات وعمقاً على صعيد المضمون والشكل السينمائي، مما يجعله وثيقة بصرية ثمينة تقدمها المخرجة بكرم لمجتمعها.
عندما نتخطى ثنائية الضحية/ الجلاد، نجد شخصيات تتشابه في وجعها ووحدتها. كل يحاول بطريقته أن يشارك الآخر معاناته، لكننا نشعر في الكثير من الأحيان أنّ ذلك بلا جدوى وأن لا جسور بين شخصيات الفيلم وبالتالي أفراد هذا الوطن. استطاعت كاميرا الراهب أن تلتقط بحساسية شيئاً من روح شخصيات الفيلم، ما تعجز عن التعبير عنه بالكلمات. تسكننا حركات مريم السريعة والمتقطعة، ويد أسعد المرتجفة، وعيناه الغائبتان تخبرنا هذه الأشياء عن واقع وحاضر مجتمعنا. نتساءل هل هي «ليال بلا نوم» أم هي «المدينة النائمة»؟ كأنّ المدينة غارقة في سبات عميق وأفرادها في قلق متواصل. أرق الرواية التي لم تروَ، الوجع الذي لم يجرؤ أحد على النظر إليه، الصمت الذي فرض على مجتمع كامل بعد حرب طويلة وشرسة. في أحد المشاهد، تطلب ألكسندرا عسيلي (المعالجة النفسية) من مريم وضع الماضي وراءها والمضي قدماً بخفة. تجيب مريم بكل بساطة: «هل تعرفين وجعنا؟ كيف تطلبين مني ذلك؟».
يدعو الفيلم إلى مشاركة الوجع والتعب ومقاسمتهما علينا جميعاً. تحمّل مسؤولية الماضي وعندها ربما نمضي قدماً بخفة. الاعتراف في النهاية لا يخص أسعد الشفتري وحده، بل يخص كل فرد في هذا المجتمع، والبحث عن المفقود هو بحثنا جميعاً، كلٌّ عما فقده في طيات هذا الماضي الأليم.
كلنا على القارب نفسه في عرض الماء: رجل الدين، السياسي، الجيل الجديد، الجيل القديم. الدعوة شاملة وضرورية نراها واضحة في مشهد الشاحنة التي تحمل صور المفقودين في شوارع بيروت. جاءت السينما لفتح هذه الدعوة بسبب ما نعيشه من نكران واخفاء في وطننا، وإقفال ملف المفقودين والمخفيين قسراً في الحرب الأهلية. من أهم مشاهد الفيلم لقاء مريم وأسعد في معرض صور لمفقودي الحرب. تنهار مريم على مرأى من صور المفقودين وتصرخ «بلدك كذبة». هذا المشهد تحديداً يظهر جدليات الفيلم وثنائياته: الماضي والحاضر، السرّ والمباح عنه، الغائب والموجود، الميت والحي. كل في هذا الفضاء الواحد يبحث عن مخرج مما يشبه الجحيم في الكثير من الأحيان في الفيلم.
اعتمد نزار الحسن واليان الراهب في تركيب الفيلم كتابةً ومونتاجاً، على بناء متقن ودقيق جداً، يشبه التطريز أحياناً بما يحمله من دقة في تفاصيله. القطع على وجه أسعد الشفتري قبل أن يكمل جملته يكشف الكثير من معاني الشريط. لا شيء بالصدفة هنا. حرفياً هو عمل تراكمي تحاكي الصورة فيه الصوت ويلتصق المضمون بالشكل، وهذا ما يجعله سينمائياً عملاً جاداً ومتقناً.
أهميته تكمن في مساءلة السينما نفسها في البحث عن الواقع. في المشاهد حيث تضع الراهب المسجلة على الطاولة أمام شخصياتها وتستمع معها الى المقابلة، نشعر بمسافة وازدواجية تسمح لنا ليس فقط بالتفكير بما يقوله «ليال بلا نوم» بل أيضاً بدوره. بهذا المعنى، تكشف اليان الراهب نفسها كمخرجة لأنّها تضع نفسها في نفس مساءلة وهشاشة شخصياتها، إلى درجة أنّنا نرى في وجهها أحياناً نفس وجع أسعد ومريم. نصدق أنّ مخرج هذا الفيلم مسكون أيضاً، فنتجرأ كمشاهدين أن نسقط نكراننا وأجهزة دفاعنا ونفكر مع الشريط. تأخذنا الراهب في رحلة في فضاءات لبنان، نتنقل من العام (الكورنيش، الشارع، الكنيسة...) الى الخاص (بيت أسعد، بيت مريم، المستشفى حيث يعالج المطران غريغوار حداد الذي كان أسعد مكلفاً مراقبة تحركاته خلال الحرب بوصفه عدواً لـ«المشروع المسيحي»).
ندور وندور من مكان الى آخر ومن شخصية الى أخرى. لعلّ الأهمّ في هذه الرحلة ليس الحقائق التي نجدها بقدر ما هي هذه الصرخة لفعل شيء في مجتمع على حافة الانهيار، مجتمع اختنق بصمته ونكرانه. كثيرون سيقولون «فيلم آخر عن الحرب؟». أجل فيلم آخر عن الحرب لأنّ الأفلام التي تناولت الحرب بعمق قليلة جداً. لم نتكلم عن الحرب بجدية وكل يختنق بوجعه وخوفه. ولأنّنا على حافة حرب جديدة كل يوم، يأتي «ليال بلا نوم» دعوةً جدية للغوص والتفكير، فلنقاوم واقعاً دام طويلاً هو أنّ «بلدنا كذبة».

«ليال بلا نوم»: صالات «متروبوليس أمبير صوفيل» (الأشرفية ـ 204080/01)، «فوكس» (الحازمية ـ 01/285582)، «برايم» (الحمرا ــ 03/892111)




مقبرتان جديدتان... فأين الدولة؟

في «ليالٍ بلا نوم» الذي حاز جائزة أفضل وثائقي في مهرجان Birds Eye View في لندن، وجائزة النقاد لأفضل فيلم في «مهرجان الإسماعيلية» في مصر، حصلت إليان الراهب على اعتراف من أسعد الشفتري، ومقاتل آخر في «القوات» بوجود مقبرتين جماعيتين: الأولى في الكرنتينا، والثانية خلف فرع العلوم في الحدث. اعتراف مسجل وموثّق، ويقع على عاتق الدولة اللبنانية التحرّك لضم الموقعين إلى لائحة المقابر الجماعية التي اعتُرف بها عام ٢٠٠٠، وتعيين حارس لحمايتها، ثم المباشرة في التنقيب عن جثث المفقودين.