حين تنتقل الصحراء لتطفو داخل لوحة تعيش في أحد قصور البندقية الإيطالية، لا يرجع ذلك إلى المؤثرات الافتراضية أو المشاهد المتخيّلة أو إلى حالة درامية ما. هذا هو الفن الذي بات في متناول الجمهور السعودي والعالمي عبر الإنترنت، لكن هذه المرة من خلال معرض نقل مباشرة على تويتر وانستغرام وفايسبوك في موازاة تقديمه ضمن الدورة 55 من «مهرجان البندقية» الذي يُختتم اليوم.


مجموعة «حافة الصحراء» السعودية التي شاركت عام 2011 في البندقية عبر معرضها «مستقبل وعد»، تعود هذه السنة من خلال «ريزوما ــ جيل في الانتظار». المعرض المشارك في الدورة 55 نسّقته الناقدة الفنية سارة رازا المقيمة في لندن، جاء صدى لذاكرة جيل جديد من الفنانين السعوديين. هنا، وسائط تعبير جديدة وتفاصيل بصرية امتزج فيها التقني والفلسفة والعلوم لتضيء على الفنون الإبداعية للقرن الـ 21 في السعودية. مفهوم «الريزوم» الذي طرحه المعرض، هو الجزء المدفون من ساق النبات في التربة الذي يُطلق الجذور في اتجاه جانبي وليس إلى أعلى كما هو معتاد. ولعل هذا أكثر ما يدلّ ويعبّر عن تحديات الفن السعودي الحديث وتحرّر مشاريعه وتقنياته المبتكرة التي تدعو إلى نوع آخر من الحكم على هذا البلد. لجأت الأعمال إلى الوسائط الحديثة، موظِّفةً الإنترنت، والفيديو آرت والتصوير الفوتوغرافي والنسيج والتركيب والمجسمات، إضافة إلى أعمال الفنانين التي قدمتها قناتا «تلفاز 11» على يوتيوب و U_Turn بهدف خلق واقع افتراضي. مشهد فني غيّر سماء البندقية، صنعته نخبة مستقلة من الفنانين السعوديين، منهم: عبد الكريم القاسم، عبدالله العثمان، عهد العمودي، أحمد عنقاوي، بسمة فلمبان، بتول الشمراني، دانا عورتاني، إيمان الجبرين، إياد مغازل، هبة عابد، هدى بيضون، ملأ العمودي، محمد مكي، إضافة إلى مؤسّسي Edge Of Arabia أحمد ماطر وعبد الناصر غارم.
هذه الفعالية بدأت مع الرقابة التي منعت عملاً تركيبياً للفنان ماجد الثبيتي بتوصية من وزارة الإعلام والثقافة السعودية، كاشفة بذلك عن لعنة لا يمكن إزاحتها، ومسلمة بعدم استقلالية المعرض ذي التمويل الأجنبي. جهز الثبيتي تجهيزاً لعلم السعودية، تتساقط منه الكلمات المكتوبة عليه (لا اله إلا الله) لتبقى كلمة «لا» إلى جانب السيف. عمل يترجم رسالة عنيفة عن توجه المملكة المتشدد إلى كل ما يخص الدين أو المرأة. هذه الأخيرة تظهر في عمل إيمان الجبرين «لا تحاكمني.. فقط انظر إلى أعمالي». استعانت الفنانة السعودية بعمل لفنان الغرافيتي الفرنسي دوجا الذي انتقد اختيار راقصات الباليه وفق مواصفاتهن الجسدية، فرسم صف رقص باليه في القرن التاسع عشر، ليأتي بعدها نظيره البريطاني بانكسي ويضيف شخصية عضو لجنة برنامج American Idol سايمون كاول إلى اللوحة. وها هي الفنانة السعودية تضيف قراءة ثالثة عبر إدخال نسائها المنقبات بزيهن الأسود إلى فضاء اللوحة. ومن خلال قنينة غاز صبغتها بالأسود، تحيلنا عهد العمودي في «هيّا شي» إلى الكارثة النسوية القابلة للانفجار تحت وطأة التقاليد الخانقة. بينما تدخلنا الفنانة هبة عابد إلى الحداثة اللغوية في الخطاب العصري عبر عملها «فقدت في النقل الحرفي» الذي تركب فيه صوراً وأشكالاً لكتابة العربية بالحروف اللاتينية على مواقع التواصل، وادخال لعبة الأرقام على اللغة الهجينة.
هذا الحضور النسائي الكثيف في المعرض الإيطالي، لا يتوانى عن تظهير عالم المرأة السعودية ومعاناتها. في «لبسي اليوم»، جسّدت نوف الحميري صوراً لـ 18 فتاة في أماكن مختلفة يرتدين الزي الموحد (العباءة)، يعبّر هذا العمل عن واقع النساء المتشابه إلى حد تغييب الشخصية الفردية لكل منهن.
نُقل معظم هذه الأعمال على فايسبوك من خلال صفحة Greenbox Museum of Contemporary Art from Saudi Arabia المخصصة لعرض أعمال سعودية معاصرة. أرنوت هيلب المؤسس الهولندي لهذا المتحف الإبداعي، اكتشف أحد أعمال الفنانين السعوديين عبر مواقع الانترنت بالمصادفة، مما ألهمه فكرة تأسيس ثاني أكبر متحف في العالم الافتراضي. يحتوي المتحف اليوم على أعمال فنية حديثة تضمّ تجارب أداء وفيديو آرت وصور أشعة سينية وأعمالاً مصممة على الورق. هذا ما يشكل محاولة لخلق نواة متحف حصري يجمع الاعمال المعاصرة من الفنانين في المملكة العربية السعودية أمثال أحمد ماطر، وعبد الناصر غارم وآخرين. متحف Greenbox الدائم يسمح لزواره في كلّ العالم بالدخول ولو افتراضياً لالقاء نظرة من العين السحرية على صناعة فنية فريدة ومعاصرة في هذا البلد المحافظ.
http://www.greenboxmuseum.com