بأعمال مبكّرة وغير معروفة على نطاق واسع، يدعونا مروان قصاب باشي (1934) للتعرّف إلى المراحل التأسيسية لتجربته التشكيلية التي ذاعت شهرتها بعد ذلك. الرسام السوري الذي درس الفن في برلين (1957 ــــ 1963)، واستقر فيها منذ ذلك الوقت، انحاز منذ بداياته إلى ممارسة واقعية تكاد تكتفي بالجسد البشري وحده. واقعية استقبلت تأثيرات سريالية وانطباعية وتعبيرية، لكنها ظلت محافظة على شكلانيتها البسيطة والدقيقة التي يلجم فيها الرسام أي جماليات مجانية أو ثرثرات لونية زائدة عن الحاجة. هناك مزاجٌ منظّم وشديد العقلانية في هذه الأعمال التي يمكن وضعها اليوم في سياقها الزمني، والقول إنها كانت مختلفة أو منجزة على حدة، أو غير مكترثة كثيراً بالممارسات التي نشأ عليها المحترف السوري المعاصر. لقد جرّب مروان (وهو الاسم المختصر لشهرته حالياً) أن يحدّد مجاله الحيوي في رسم الأجساد مع هوامش تحريفية واضحة في القياسات والانطباعات التي تصنعها لدى المتلقي. هناك نوع من التقبيح المبسّط في أشكال وملامح هذه الأجساد المنجزة بين عامي 1962 – 1972 في معرض «أعمال مبكّرة»، الذي يحتضنه «مركز بيروت للمعارض» كمحطة أولى، قبل أن ينتقل إلى باريس وفيينا وبورتو وغيرها من العواصم والمتاحف العالمية.


يضم المعرض 44 لوحة زيتية ومائية، إضافةً إلى التخطيطات والاسكتشات الأولية المرسومة بأقلام الرصاص لأغلب هذه اللوحات. هناك قيمة توثيقية وتاريخية في عرض التخطيطات مع اللوحات. كأن المطلوب أن نربط بين المنجزات الراهنة للرسام، وبواكيره الأولى. ربطٌ لا يخلو من وجاهة بالطبع، إلا أنه يكشف أن قصاب باشي حفر منذ البداية في الموضع نفسه، باستثناء أن الأجساد التي نراها هنا جرى التخلي عن أطرافها وجذوعها بالتدريج، ومُنحت مساحة اللوحات التالية للوجوه التي تحولت إلى فن شخصي كامل. هكذا، حالما يُذكر اسم مروان تُستدعى وجوهه أمامنا بسرعة. صحيح أنه رسم طبيعة صامتة في بعض الفترات، واشتغل على موضوع الدمية، لكن ضرباته ومشحاته وتبقيعاته اللونية والخطية لم تتغير كثيراً. الوجه هو هوية هذا الفن الذي تدرّج بحذر ومهارة داخل مادته المفضّلة. الأعمال المبكرة التي نراها الآن في زمن مستقبليّ بالنسبة إليها ليست غائرة كثيراً في زمن إنجازها. الحفر في الموضع نفسه اكتسب مذاقاً صوفياً وهوسياً مع مرور الزمن في هذا التكرار الشكلاني الذي يسميه الرسام نفسه «المتتاليات». كأن هذه التجربة الطويلة لم تتعرض لتعديلات أو منعطفات دراماتيكية. التعديلات الطفيفة والحاسمة موجودة في الجزئيات والتفاصيل. وإذا حصرنا الملاحظات في الأعمال المعروضة فقط، فإنها توحي لنا أحياناً بأننا نشاهد مشروعاً واحداً استمر عشر سنوات. كأن الرسام قيّد مخيلته بهذه الأجساد والوجوه، التي نميز بينها وجه الشاعر العراقي بدر شاكر السياب، المنجز بعد عام واحد من رحيله سنة 1964. يتكرر السياب في أكثر من لوحة. إلى جواره، نرى وجه الكاتب الأردني الراحل مؤنس الرزاز، ثم أوتوبورتريه للفنان نفسه. ما نظنّ أنّه وجه الفنان في شبابه يتكرر في لوحات كثيرة. أحياناً يكون وحيداً، وأحياناً أخرى يحظى بشريك أو شريكة. في الحالتين، ترسل التشخيصات ذبذبات سريالية وكاريكاتورية خفيفة. الدقة ليست مطلوبة هنا إلا لكي تُلوى ملامحها وخطوطها، وتستجيب لرغبة الفنان في إظهار ضجرها الداخلي وأسئلتها الوجودية. الأعمال المعلّقة بحسب الترتيب الزمني لإنجازها، تُظهر في نهايتها بداية المرحلة التي ستُخصص للرأس وحده. لا نزال نشاهد يداً أو جزءاً من الجذع، ولا يزال الوجه مرئياً بكامل خطوطه، لكنه يتماوج في حالة برزخية بين مرحلتين، قبل أن يتحوّل في السنوات التالية إلى تضاريس وأطلال تجريدية تحدِّق في المشاهد بثرائها التعبيري والتجريبي لا بقوة البورتريه التقليدية. القوة التي انتُزعت منها على أي حال.

«أعمال مبكّرة»: حتى 27 تشرين الأول (أكتوبر) ـــ «مركز بيروت للمعارض» (بيال ـ بيروت). للاستعلام: 01/962000

يمكنكم متابعة حسين بن حمزة عبر تويتر | @hbinhamza




اللوحة والكلمة

لا يمكن الحديث عن تجربة مروان قصاب باشي من دون ربطها بالواقع السياسي والثقافي العربي. واقعية وجوهه كانت بمثابة بؤرة تتوالد منها أسئلة كثيرة. الوجوه المتكررة تذكرنا بالعوالم السردية التي يكتب فيها بعض الروائيين رواية واحدة. لعل علاقته بالروائي الراحل عبد الرحمن منيف كانت تظهيراً لهذا الجانب، الذي تُوِّج بكتابين والكثير من المراسلات. لقد رسم الفنان السوري الذي نضجت تجربته في برلين لوحةً واحدة بطبعات منقحة ومزيدة. الوجه المرسوم صار مزاجاً وأسلوباً كما تصير الكتابة نبرةً وحساسية لغوية. ولعلّ الحضور المتكرر لشاعر مثل السياب، وروائي آخر مثل الرزّاز في المعرض، هو إشارة مبكرة إلى علاقة الرسام بالكلمات، التي بدأت حروفها وترميزاتها تحتل مساحة الوجوه في أعماله الأحدث بدلاً من الملامح الواقعية.