نعرفه جميعنا، معظمنا على الأرجح، نحن الذين يحق لنا أن ننعت أنفسنا بـ «السينفيليين»، هنا في لبنان. لا أعتقد أنّ بيننا من يتذكره خارج شباك التذاكر، لكني أكاد أجزم بأنّ كثيرين يعرفونه أكثر مما يعتقدون. لقد رأوه حتى حفرت صورته في رؤوسهم مكاناً واضحاً لها. لسنوات طويلة لا نعرف عددها بالضبط، ارتبطت سينما «صوفيل» الوديعة بهذا الرجل. قاطع التذاكر الذي يبتسم أكثر مما يعبس.


وليس تعميماً، لكن قاطع التذاكر، عادةً، لأسباب غير مفهومة، يكون عابساً عادةً. غير أنّ طوني عرمان (الصورة) لم يكن كذلك. ولهذا الرجل فضل عليّ، ربما لا يعتبره البعض كثيراً، أو يضعه في المصاف الوظيفي الطبيعي. كوني واحداً من الذين يضيعون، حتى في صالة سينما، حتى بين بابين. لطالما أرشدني هذا الرجل إلى الباب الصحيح، إلى الصالة الصحيحة. ويعني لي ذلك كثيراً من دون مبالغة. لقد شاهدت معظم أفلام فيدريكو فيلليني وبرتولوتشي وآلان رينيه، وغيرهم كثيرين بإشراف تقريباً مباشر من هذا الرجل. لم أكترث في حياتي إن كان العم طوني ملماً بالسينما فعلاً، وشغوفاً بها، مثلنا، نحن الذين لم نحترمه بما يكفي، ونحاول أن نفتح معه حديثاً عن السينما وأحوالها. اكتفينا دائماً بتناول بطاقات المرور على عجل، وتركه بلا رأفة في روتين متعب خلف تلك النافذة الضيقة. والآن أفكر، لماذا صمموها على هذا النحو القاسي، بحيث لا تبدو من وجه الرجل الجالس خلفها إلا يداه. كان رجلاً من يدين. لا يشبه أيّاً من الشخصيات التي شاهدناها في الأفلام التي كان شاهداً عليها بدوره. ذلك رغم أنه كان خلف شاشة دائمة، وفي عرض متواصل، من دون أن يحظى بالتقدير الذي يستحقه. وسينما «صوفيل» تستحق التحية هنا أيضاً. إنها آخر سينما تحترم شغفنا تقريباً. لم تحضر مطعماً إلى الصالات بعد، ولم تستبدل كراسي السينما بكنبات وثيرة تصلح للنوم لا لولوج حيوات الآخرين، التي هي وظيفة السينما بالضبط. تبدو المقاربة بعيدة زمنياً، لكن طوني عرمان يذكر، بطريقة ما، بألفريدو في «سينما باراديسو» للمخرج الإيطالي جوسيبي تورناتوري. على الأقل في الجانب المعروف من شخصيته: تمسكه بهذه الصالة، والعلاقة العضوية بينه وبينها. لطالما سألت نفسي سؤالاً عابراً، لم أبحث له عن جواب: ألا يمل هذا الرجل من الجلوس خلف الزجاج؟ ألا يشعر برغبة عارمة في تكسير هذا الزجاج التافه؟ فكرت أيضاً، متى يتسنى له أن يشاهد الأفلام. الآن أنا متأكد أنه لم يفوتها. ربما، مع الفارق، تكون «صوفيل»، نسخة لبنانية منمقة، لـ «سينما باراديسو» ايطاليا، مع الفوارق الكبيرة طبعاً. ربما، تشبهها، لأن الجملة الاخيرة التي يقولها أصحاب «سينما باراديسو» في نهاية الفيلم: العالم تغيّر. وفعلاً، إنه تغير. لقد أحضروا السوشي إلى الصالات الأخرى، لكن طوني عرمان ظل وفياً، لـ «سينما باراديسو» لسنوات طويلة. وبعدما منحنا ما استطاع من تذاكر، قطع لنفسه واحدة، وغادر الشباك أخيراً.