تونس | تباينت ردود فعل الشارع التونسي على حادثة الاعتداء بالبيض التي تعرّض لها أخيراً وزير الثقافة المهدي مبروك (مستقل) على يد السينمائي الشاب والناشط اليساري ومنسق حملة «خنقتونا» نصر الدين السهيلي. إلى دار الثقافة «ابن خلدون» (وسط العاصمة)، جاء مبروك لمواكبة أربعينيّة المسرحي عزوز الشناوي من دون أن يتوقّع أن يستقبله سينمائي شاب بالبيض. وقد أكد الوزير أنّه تقدّم بدعوى قضائية ضد السهيلي الذي تبحث عنه القوى الأمنية، معتبراً أنّ المعتدي «لا يختلف في شيء عن كمال القضقاضي» الذي اغتال الزعيم اليساري شكري بلعيد قبل أشهر.


الحادثة التي تعدّ الأولى من نوعها في تونس، قسمت الوسط الثقافي. أدانت نقابات وزارة الثقافة هذا الفعل في حين دافعت «نقابة التقنيين السينمائيين» عن السهيلي، معتبرةً أنّ ما قام به «شكل من أشكال الاحتجاج». وفيما كذّبت النقابة في بيان ما «ادعاه الوزير من تعنيف»، أوضحت أنّ إلقاء البيض على وزير حضر أربعينية فنان لم يسانده يوماً وصمت عن الاعتداءات التي تعرّض لها المبدعون من السلفيين وأنصار «حركة النهضة» هو «شكل احتجاجي يحدث في البلدان الديمقراطية». وفي سياق ردود الفعل، قال الفنان المسرحي ورئيس «الاتحاد العام للفنانين التونسيين» حمادي الوهايبي لـ«الأخبار» إنّ نصر الدين السهيلي «الذي عرفناه مناضلاً شرساً ضد الدكتاتورية أخطأ هدفه هذه المرة. ما فعله غير مقبول لأنّه سلوك لا يليق بالفنانين المناصرين للحرية»، داعياً في المقابل وزير الثقافة إلى «الاستقالة من الحكومة التي أكدت فشلها، والالتحاق بالفنانين والمبدعين في معركتهم ضد الاستبداد الجديد».
من جهته، قال السهيلي المختفي منذ مساء الجمعة الماضي في شريط فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي إنّه تعرّض لـ«اعتداء بدني ولفظي من قبل مرافقي الوزير ومن بعض زملائه الفنانين المساندين للحكومة»، مؤكداً أنّه احتج في البداية على حضور الوزير لأنّ «عائلة الفنان الراحل كانت تترجاه للمساعدة في تكاليف علاجه، لكن الوزارة لم تبالِ». وذكّر السهيلي بإدانة مبروك للفنانين في «معرض العبدلية» قبل عام، ومساندته السلفيين في دعواهم ضد الفنانين، فضلاً عن ملاحقة الوزارة قضائياً عدداً من المبدعين على خلفية آرائهم وتوجهاتهم الفنية، وصمته عن تعنيف الفنانين ومنع العروض الفنية والسينمائية وتخريب قاعات. يضاف إلى ذلك حصيلة حكومته من الاغتيالات والقتل والعنف ومطاردة الناشطين والتعذيب، الأمر الذي يجعله بحسب السهيلي «غير مرغوب فيه، واضطرني إلى الاستنجاد بالبيض بعدما عنّفت وطردت من القاعة ومنعت من التعبير في مناسبتين متتاليتين». ونفى السهيلي أن يكون قد اعتدى على الوزير باللكم خلافاً لما تم تداوله في الرواية الرسمية. يعتبر السهيلي من أبرز السينمائيين الشباب وأكثرهم نشاطاً في السياسة. قبل سقوط زين العابدين بن علي، واجه الرقابة في فيلمه القصير «بوتليس»، واشتهر بانتصاره للهامشيين وتنديده بالمجموعات الدينية المتطرفة إلى حد منع شريطه «شاق واق» الذي فضح مجموعات الإسلام السياسي والمتاجرين بالدين. الذين يعرفون نصر الدين السهيلي، لم يستغربوا طريقة احتجاجه. هو فنان منشقّ اختار العيش على هامش الحياة الثقافية والسياسية الرسمية والانخراط مع شبان الأحياء الشعبية الذين كبروا وسط مناخ الفقر والتهميش. عرف السينمائي التونسي السجن مبكراً في عهد بن علي على خلفية نشاطه ضمن منظمة شباب «حزب العمّال الشيوعي» المحظور يومها. هذه الحادثة التي أدانتها الحكومة تؤكّد أنّ إمكانيات التواصل بين السلطة التنفيذية والشارع الثقافي والسياسي أصبحت محدودة جداً، وأنّ الاحتقان كبير ولا أحد يمكن أن يتنبأ بنتيجته.