تونس | عندما تولّت حركة «النهضة» الإسلامية الحكم في تونس، كانت تدرك أنّها ستواجه مصاعب جمة، لكنّها لم تضع في حسبانها أنها ستواجه الزعيم الحبيب بورقيبة (1903 ــ 2000)، وهو يقود المعارضة دفاعاً عن خصوصيات المجتمع الذي أسهم في بنائه من قبره! تحتفل تونس اليوم الثلاثاء بالذكرى الـ 57 على صدور «مجلة الأحوال الشخصية» التي أحدثت ثورة حقيقية ليس في بلاد الطاهر الحداد فحسب، بل في العالم العربي والإسلامي. هذه المجلة التشريعية حرّرت المرأة بينما كان العالم العربي غارقاً في ظلام النظرة الدونية إلى المرأة.


جاءت المجلة لتمنع تزويج الفتاة دون رضاها، وتساوي بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، وتمنع تعدد الزوجات، حتى أنّ تونس سبقت بعض البلدان الأوروبية في حق الإجهاض والمساواة في الأجر وظروف العمل. هذه الأرضية التي صنعها بورقيبة الذي كان سابقاً لعصره، كانت وراء تأسيس حركة نسوية قوية. لقد أجبر بورقيبة التونسيين على تعليم بناتهم، وهي الدعوة التي أطلقها الطاهر الحداد (١٨٩٩ ــ ١٩٣٥) في كتابه «امراتنا في الشريعة والمجتمع» (1930). ومجلة الأحوال الشخصية تمثّل استلهاماً لأفكار الحداد الذي أُخرج من «ملة الإسلام» بسبب أفكاره المستنيرة وحُرم من حقّه في الزواج والعمل.
بفضل هذه الأرضية، كانت المرأة التونسية التي تمثل اليوم ٦٠ في المئة من الوسط المدرسي في مستوياته الثلاثة، سباقة في النضال السياسي ضمن الحركة الدستورية ممثلةً في «الاتحاد الوطني للمرأة التونسية» الذي تأسس عام ١٩٥٦ وفي التيارات اليسارية منها «منظمة العامل التونسي» والجمعيات الحقوقية التي أسستها مجموعة من مناضلات الحركة النسوية منها «الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات» و«مركز الدراسات والأبحاث حول التنمية». وقد منع زين العابدين بن علي الجمعيتين من النشاط وضيّق عليهما. لكنّ مناضلات الحركة النسوية نجحن في اختراق الحصار. لذلك، ليس غريباً اليوم أن تقود النساء معظم الجمعيات والنقابات المهنية والمنظمات الوطنية مثل «اتحاد الصناعة والتجارة» والصناعات التقليدية (منظمة رجال الأعمال) و«النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين» و«نقابة القضاة»... فضلاً عن «جمعية النساء الديمقراطيات» و«الاتحاد الوطني للمرأة التونسية» الذي تحاصره الحكومة منذ أن فشلت «النهضة» في السيطرة عليه بعد نجاح قائمة اليسار المدعوم من الدستوريات في الصعود إلى قيادة أعرق وأكبر منظمة نسائية.
اليوم، ينظم ائتلاف «حرائر تونس» المدعوم من «الاتحاد العام التونسي للشغل» و«جبهة الإنقاذ الوطني» وحركة «تمرد» تظاهرة نسائية كبرى وسط العاصمة يتوقع أن يتجاوز عدد المشاركين فيها ١٠٠ ألف حسب المنظمين، وهي التظاهرة الثانية التي ينظمها الائتلاف بعد تظاهرة الثالث من آب (أغسطس).
تشكّل الحركة النسوية بما تملكه من إرث نضالي وثقافي واجهة المعارضة التونسية اليوم. النساء أطلقن صرخة الخوف على حقوقهن التي سعت «النهضة» في مشروع الدستور الأول العام الماضي إلى ضربها من خلال تضمين مبدأ «التكامل» عوضاً عن «المساواة». آنذاك، قادت الحركة النسوية مع الديمقراطيين حملة انتهت بإسقاط فصل «التكامل» في الدستور وتعويضه بالمساواة كما كان في دستور ١٩٥٩. وفي محاولة لامتصاص الغضب المتزايد في الشارع التونسي، تنظّم «النهضة» اليوم أيضاً تظاهرة نسائية في ذكرى صدور مجلة الأحوال الشخصية في محاولة لطمأنة نساء تونس على حقوقهن. هذه المبادرة لا يتوقع نجاحها بالقدر الذي قد تحققه تظاهرة «حرائر تونس»، خصوصاً أنّه لم يعرف لحركة «النهضة» أي دور تاريخي في الدفاع عن مكاسب المرأة أو في الحركة النسوية.
وفي إطار احتفالي بذكرى صدور مجلة الأحوال الشخصية، افتُتح أمس معمل ملابس في ضاحية الشرقية قريباً من وسط العاصمة لتفصيل فساتين نسائية خاصة بهذه الذكرى تحمل رمز العلم الوطني (نجمة وهلال بالأبيض وخلفية حمراء) الذي أصبح رمزاً للمعارضة التونسية بعد حادثة إنزال العلم في كلية الآداب في منوبة وتعويضه بعلم «القاعدة» الأسود. اليوم، ستقول الآلاف من نساء تونس: نحن هنا، ضد سياسة الاغتيال والرصاص التي تغرق البلاد منذ صعود الترويكا إلى الحكم!




الجسد الحرّ

يضمّ ائتلاف «حرائر تونس» ناشطات من 25 منظمة. وقالت نجوى مخلوف المتحدثة باسم الائتلاف في مؤتمر صحافي أمس: «نريد أن يهبّ كل المواطنين إلى الشارع اليوم للدفاع عن حقوق المرأة المهددة وعن مدنية الدولة». ونقلت وكالة «فرانس برس» عن مخلوف قولها أنّ «حقوق المرأة في تونس أصبحت مهددة منذ وصول «النهضة» إلى الحكم مع محاولات لضرب مكتسبات المرأة والعودة بها إلى الوراء». واتهمت سهام بوستة الناشطة في الائتلاف «النهضة» بمحاولة «إمرار خيارات غريبة عن ثقافة تونس» مثل «تعدد الزوجات والزواج العرفي وتزويج القاصرات»، وحمّلتها مسؤولية تحول فتيات تونسيات إلى سوريا تحت مسمّى «جهاد النكاح». وأضافت: «أصبح في تونس مؤسسات تعليم (مدارس دينية) تقوم بأدلجة الفتيات الصغيرات وتربيتهن على أن الجسد عورة ويجب مواراته».