تختتم «مهرجانات بيت الدين» برنامجها المتنوع لهذا العام يوم السبت المقبل مع حفلة تقدّمها باتريسيا كاس (1966). المغنية الفرنسية ستخصّص هذا اللقاء لتوجيه تحية الى إديت بياف (1915 ـــ 1963)، مستعيدة أغنيات «سيدة الغناء» الفرنسية الراحلة.
اشتهرت باتريسيا كاس في نهاية ثمانينيات القرن المنصرم والتسعينيات وحصدت نجاحاً كبيراً، وخصوصاً مع إصدارها أعمالاً مثل Mademoiselle Chante وJe te dis vous، لكن الألفية الثانية لم تحمل النجاح نفسه لكاس، التي لم تتمكن من العودة حقاً إلى الساحة العالمية الا في عام 2009 بعد إصدار ألبوم Kabaret. وفي مناسبة ذكرى مرور 50 عاماً على وفاة إديت بياف، قرّرت أن تصدر ألبوماً يكون بمثابة تحية للمغنية الكبيرة، تحت عنوان «باتريسيا كاس تغنّي إديت بياف». إنّه ايضاً عنوان الأمسية التي تحييها في إطار مشاركتها في «مهرجانات بيت الدين». كانت تلك مخاطرة في مسيرة كاس. استعادة بياف تُعدّ خطوة جريئة في مسيرة فنانة مثل كاس، مرّت بمراحل صعود وهبوط. وكان بإمكان هذه التجربة أن تجذب إليها أمطار النقد السلبي. مَن يرغب في أن يستمع الى أغنيات بياف بصوت مغنية أخرى، إن لم تكن هذه الاخيرة تتمتع بموهبة كبيرة، تجعلها تتجنّب فخاخ التقليد، وتعي أن أداء بياف يعني أيضاً تقمّص شيء من شخصيتها وحزنها وحياتها؟
في مقابلة أجريت مع كاس على أحد المواقع الإلكترونية، شرحت الأخيرة عن تلك الاستعادة: «هي طريقتي في تكريم إديت بياف. لم يتعلق الأمر يوماً بالبحث في ريبرتوارها وانتقاء الاغنيات عشوائياً لإعادة أدائها فحسب. فهي أجادت ذلك! ما الذي يسعنا أن نفعله أكثر من هذا؟ هذا المشروع أتى في مرحلة من حياتي كنت مستعدة فيها له. ولأداء بياف، أظن أنه على المرء أن يتمتع بخبرة حياة معينة، وأن يعاني بعض الألم، لكي يفهم الامور بطريقة أفضل. ويجب أن يتمتع بالشجاعة!». ولم تخف المغنية الاربعينية شكوكها وعدم إدراكها كيفية مقاربة هذا المشروع في البدء: «سرعان ما تواردت إلى خواطري، صور، وشعرت شيئاً فشيئاً بثقة كبيرة لترجمة هذا المشروع الطموح على أرض الواقع».
خلال تكريمها لبياف، اختارت كاس 21 أغنية، أعاد توزيعها أبيل كورزينيوفسكي، وهو مؤلف موسيقى أفلام معروف، وقدّمتها منذ عام 2011 على مسارح كبيرة في العالم، من الـ «رويال ألبيرت هول» في لندن، الى الـ «كارنيغي هول» في نيويورك، والـ «أوليمبيا» في باريس...
في الألبوم، تسبق أداء الاغنيات مقاطع موسيقى آلية طويلة، كأنها استعداد من قبل كاس لدخول في «مزاج» بياف. وأجرى كورزينيوفسكي تعديلاً في المقامات في بعض الاغنيات، كما في أغنية Milord على سبيل المثال التي تنتقل فيها كاس من الـ «ماجور» الى الـ «مينور»، ربما لإضفاء بُعد دراماتيكي على الأغنية.
أمضت كاس صيفاً كاملاً تصغي فيه الى أغنيات بياف الـ430 من أجل التوصل الى انتقاء 21 منها. وهو خيار لم يكن سهلاً بالطبع، لكنه تركّز على أغنيات لا مفر منها مثل «لا أندم على شيء» و«بادام» وغيرهما، إضافة الى أغنيات أقل شهرة، لكنها تعكس أيضاً المواضيع والتيمات التي غنّتها بياف في مسيرتها، والتي كانت تتقاطع مع تفاصيل ومواقف في حياتها الشخصية. إذاً، ننتظر استعراضاً «معاصراً مسرحياً وحَضَرياً» على حدّ قول كاس بنفسها، وعملاً موسيقياً مصنوعاً من النغمات والصور، يخرج عن المألوف. هل نجحت المغنية في إيجاد مكانها في عالم بياف الفريد، محافظة على شخصيتها الفنية الذي جذبت محبّي الاغنية الفرنسية من أنحاء العالم؟ الجواب مساء السبت في بيت الدين.

«باتريسيا كاس تغنّي إديت بياف»: 21:00 مساء السبت 10 آب (أغسطس) ــ «مهرجانات بيت الدين» ــــ للاستعلام: 05/500900




بياف مغنية الألم

في المقابلة التي أجريت مع باتريسيا كاس، شرحت أن الغناء لإديت بياف (1915_1963) يتطلّب من المرء أن يتمتع بخبرة حياة معينة وأن يعاني بعض الألم كي يستطيع تأدية أغنياتها. هذا الألم الذي تحدّثت عنه كاس قصدت به التراجيديا التي لفّت حياة إديت بياف. في فيلم La Vie en rose الذي عُرض عام 2007 عن سير ة الديفا الفرنسية، شاهدنا عدداً من المحطات المأسوية التي واجهتها منذ طفولتها التي عاشتها تقريباً بلا أبوين، مروراً ببعض الخسارات اللاحقة التي انعكست على غنائها وصوتها. فقدت بياف طفلتها إثر إصابتها بالتهاب السحايا. وبعد علاقة حب جمعتها بالملاكم الفرنسي مارسيل سيردان، توفي الأخير في حادثة تحطّم طائرة وهو قادم لزيارتها. وهذا ما أصابها بهذيان عميق ومحزن. إلى جانب هذه المآسي المتتاليّة، تعرّضت بياف لحوادث سير عدة، أدت إلى كسور في جسدها، لتصبح مدمنة الكحول والمورفين الذي كان يستخدمه أطباؤها لتسكين أوجاعها.