على إيقاع ديوانه الأخير «استعجلْ .. ها قد وصل الموت»، خسر شيركو بيكه س (1940 – 2013) معركته مع السرطان، ورحل أول من أمس في السويد، البلد الذي استقبله منفياً في ثمانينيات القرن الماضي، ومنحه جائزة «توخولسكي» (نادي القلم السويدي) سنة 1987. مزج الشاعر الكردي/ العراقي بين الشعر والنضال السياسي، والتحق بالمقاومة الكردية المسلحة، وتم إبعاده ووضعه تحت الإقامة الجبرية في السبعينيات. وبعد خمس سنوات أمضاها في المنفى السويدي، عاد سنة 1991 إلى مدينته السليمانية في كردستان العراق، وانتُخب نائباً في أول برلمان كردي، ثم عُين وزيراً للثقافة في أولى حكومات الإقليم. كان الشعر حصيلة هذه السيرة. كان شيركو «شاعر لغةٍ وأرضٍ وتاريخٍ تلطخ بالدماء»، وكان عليه أن «يكتب عذابات هذه الأرض، وأن لا يساوم على الخطاب الفني»، بحسب رأيه.

قرأ صاحب «مضيق الفرشات» الشعر الكلاسيكي الكردي، ولكن الأوزان والقوافي كانت تُضجره، إضافة إلى أن اللغة كانت مخلوطة مع العربية والفارسية. مع تجارب شعراء معاصرين مثل عبد الله كوران (1904 – 1962) وأحمد هردي (1922 – 2006)، اهتدى بيكه س إلى النبرة أو الحساسية الشعرية التي يمكنها أن تتسع للتجريب وللقضايا الوطنية معاً. هكذا، أسس مع عدد من أقرانه الشعراء والروائيين جماعة «روانكه» (المرصد) سنة 1970، وأصدروا بياناً يشرح طموحاتهم الكتابية. تحرّر الشاعر من قيود الشعر الكردي القديم وتقاليده، ولكنه ظل أسيراً لمأساة شعبه وهويته الكردية. ظلت المذاقات الرعوية والرومانسية والأسطورية تنبعث من قصائده القصيرة ومسرحياته وملاحمه الطويلة. كان التجريب محكوماً بلغةٍ محكومة بدورها بمعجمها الشعبي والغنائي، وكانت فكرة أن يكون ناطقاً باسم شعبه جزءاً من حضوره الشعري والثقافي. حضورٌ لاقى حفاوةً عربية مع ترجمة أعماله إلى لغة الضاد، إضافة إلى صداقاته مع عدد كبير من الشعراء العرب. بطريقة ما، انتمى الشاعر إلى الحداثة، ولكن هويته الكردية جعلته شاعر شعب وأمة. شيركو يشبه ذلك النوع من الشعراء الذين ارتبطت سيرتهم وإنجازتهم مع قضايا بلادهم. إنه يشبه لوركا بالنسبة لإسبانيا، ونيرودا لتشيلي، وناظم حكمت لتركيا، ورسول حمزاتوف لداغستان. كان في استطاعته أن يكتب تجريباً مثل «لا مثيل للوحتي/ رسمتُ الهدير لا الموجة/ رسمتُ هيبة الجبل لا الجبل/ ابتسامة الطفل لا الطفل/ نشيج الخبز لا الخبز/ صراخ الحجر لا الحجر/ رسمتُ حبّ حبيبتي/ وليس حبيبتي»، لكنّ شيئاً لا يفهمه سوى الأكراد يمكن أن يمرّغ لغته وذاكرته بتاريخ كردستان، وهو ما نقرأه في قصيدة عن أمه: «حين كبرتُ/ رأى معصم يدي اليسرى الكثير من الساعات/ لكنّ قلبي لم يفرح مثلما كان يفرح/ حين كانت أمي تعضّ معصمي الأيسر وأنا طفل/ وتصنع بأسنانها ساعتها على يدي».