في اعتصام أنصار الرئيس محمد مرسي من الإخوان والسلفيين في «رابعة العدوية»، ثلاث مفارقات: الأولى أنّ رابعة امرأة، وهو أمرٌ لا تحتفي به السلفية. والثانية أنّها صوفية، والمعتصمون يحرّمون الصوفية. والثالثة أنّ رابعة اشتهرت في مصر بفيلم سينمائي لعبته نبيلة عبيد، وموقف السلفية من السينما ـــ ونجماتها ـــ لا يحتاج إلى بيان. ربما ما يخفف من حدة الأمر أنّ «مسجد رابعة العدوية» الذي تأسس في بداية التسعينيات، لا يضم أي ضريح. في الواقع، ليس لرابعة ضريح في أي مكان، لسبب بسيط أنّ هناك شكوكاً قوية في كونها شخصية حقيقية.


لا بأس في الشكوك الأخيرة. فقد طالت من قبل امرأ القيس وعنترة بن شداد. المهم هنا أنّ رابعة «التراثية» موجودة ومخلّدة بالشعر، ثم بالشريط الذي أخرجه نيازي مصطفى عام 1963، وبأغنيات أم كلثوم التي شدت بالأشعار المنسوبة إلى رابعة مثل «أحبّك حبين»، وبأشعار طاهر أبوفاشا في الفيلم نفسه، ومنها «الرضا والنور» و«حانة الأقدار»، وكان قد كتبها في الأصل في الأوبريت الإذاعي «رابعة العدوية» لـ«كوكب الشرق» التي أعادت غناءها في الفيلم.
يبدو كل ذلك التراث الفني، الصوفي، العاشق، بعيداً للغاية عن المعتصمين في رابعة. ومعظمهم بالكاد يقبل الموسيقى وفق شروط صارمة. اعتصامهم الضخم خلق تسمية «الميدان» وهو ليس ميداناً، بل تقاطع بين شارعي الطيران والنصر في حيّ مدينة نصر شرق القاهرة، وتلك مفارقة
أخرى.
فقد ارتبط تأسيس مدينة نصر الشاسعة بـ«ثورة يوليو»، واستوحى اسم المدينة من زعيمها، فها هو خصم آخر للمعتصمين. ومع ذلك، فإن ما يغلب على سكان المدينة، من عائلات ارتبط انتعاشها بالانفتاح على الخليج العربي في السبعينيات، وما جلبه من أفكار، لا يبتعد كثيراً عن الثقافة الدينية للمعتصمين، وإنما يبتعد عن معظمهم طبقياً، فالجماعة التي خسرت عواصم المدن، وتراجع تأييدها بين الطبقة الوسطى، يبدو اعتصامها قطعة من الريف انتقلت إلى العاصمة.
ومهما كانت حقيقة «رابعة»، فإنّ الحكاية المروية تسرد معاصرتها لمرحلة مبكرة في التاريخ الإسلامي وتاريخ الصوفية نفسها، في بداية القرن الثاني الهجري في ربوع العراق، ولدت الفتاة التي كانت الرابعة لأبيها، فسماها رابعة، يمكن ملاحظة أنّ حكاية طفولتها تتخذ شكلاً أسطورياً معهوداً، فقد توفي والداها وهي طفلة، وعاشت وأخواتها في فقر إلا من قارب ورثنه، ينقلن به الناس عبر نهر دجلة بدراهم معدودة. وحين وقع القحط والمجاعة وانتشرت العصابات، اختُطفت رابعة الصغيرة وبيعت لتاجر قاسي القلب، يسيء معاملتها ويعذّبها، لكنها تشتهر رويداً رويداً بالإيمان والتعبد والشعر.
غير أنّ دواعي السينما، واحتياج الدراما إلى المفارقة، جعلا الوجه الجديد آنذاك نبيلة عبيد تحيا في الفيلم حياتين شديدتَي التناقض، حتى دارت الدعابة طويلاً حول رابعة السينمائية، لتميّز بين نصف حياتها الأول، والثاني. فيلم نيازي مصطفى جعل من رابعة ساقية تقدم الشراب والخمر وتلهو وتحب، قبل انقلابها الدرامي إلى «العشق الإلهي». أما رابعة في كتب التاريخ، أو التي يُفترض أنها تروي تاريخاً، فقد كانت عابدة زاهدة بتولاً طوال حياتها، حتى ماتت عن عمر ناهز الثمانين، من دون أن تمنح نفسها لزوج أو حبيب. لذا سمّيت شهيدة العشق الإلهي كما في كتاب عبد الرحمن بدوي. وقد اختلطت بعض قصائدها بقصائد أبي فراس الحمداني، وهو المولود في 320 هجرية، أي بعد أكثر من قرنين من الزمان من التاريخ المنسوبة إليه ولادة رابعة (100 هجرية).
ويجمع بينهما أيضاً غناء «كوكب الشرق» التي غنت لأبي فراس قصيدته الشهيرة «أراك عصي الدمع». غير أنّ البحث في أصل الشعر والتاريخ، وما هو حقيقي منه وما هو مختلق، يقود إلى ما حاول طه حسين أن يبحث فيه، وهو بلا شك، قد يكون أخطر خصوم المعتصمين في «رابعة».