حين وقف الفريق عبد الفتاح السيسي ليتلو بيان خريطة الطريق بعد عزل الرئيس مرسي، كان حريصاً على أن يبدو من خلفه أحمد الطيب شيخ الأزهر، وتواضروس الثاني بابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. هذا المشهد المؤسسي/ السلطوي (الجيش الأزهر، الكنيسة)، كان رد الدولة المصرية «الحديثة» على المشروع الوهّابي العابر للوطنية، والمفتّت للنسيج الاجتماعي، وكان تلخيصاً للواقع، بوصفه اختياراً بين بدائل سلطوية متفاوتة الدرجة. وسرعان ما تُرجم ذلك في صيغة الإعلان الدستوري المؤقت الذي نقل أخطر مواد الهوية في الدستور الإخواني المعلّق، إلى المادة الأولى، حيث الشريعة الإسلامية (ومصادرها المعتبرة لدى أهل السنّة والجماعة) هي المصدر الرئيسي للتشريع. لكنّه في الوقت نفسه ألغى إلزامية استشارة الأزهر في التشريع، وقصر العقوبة على «النص القانوني»، لا «الدستوري» كما كان الأمر في دستور مرسي، ما يعني إبعاداً لاحتمال تطبيق «الحدود الشرعية» حسب مزاج القاضي.


وبينما كان المثقفون الذين انتهوا لتوّهم من اعتصام طويل في وزارة الثقافة، احتجاجاً على الوزير الذي اختاره الإخوان علاء عبد العزيز، يستعدون للترحيب باختيار رئيسة دار الأوبرا إيناس عبد الدايم، كأول وزيرة ثقافة مصرية، سرعان ما تلقّت عبد الدايم اتصالاً يطلب منها الاعتذار عن المنصب، بسبب ضغوط قيل إنّ وراءها حزب «النور» السلفي كثمن لاشتراكه في المرحلة الانتقالية، ومن ثم يُستدعى الوزير الأسبق محمد صابر عرب، لحلفان اليمين وزيراً للثقافة للمرة الثالثة خلال عامين.
يمكن تلخيص ما سبق على النحو الآتي: بإمكان الدولة المصرية العجوز، مدعومة بضغط شعبي عماده الطبقة الوسطى وعواصم المدن، أن تنقذ البلاد من الإسلام المتطرف وجماعاته، لكنها أيضاً، لا يمكن إلا أن تقدم الحلول الوسيطة وفق منظومتها التاريخية، أي حفظ التوازن الدقيق بين «الإسلام المعتدل» ومتطلبات المدنية وحماية الحد الأدنى للأقليات. وعلى المثقفين، الراغبين في ديموقراطية علمانية أو شبه علمانية، والحالمين بمستقبل تعددي يحترم حقوق الإنسان، أن يتحمّلوا مسؤولياتهم، مستفيدين من التعبئة الشعبية المؤقتة ضد الإسلام السياسي، وعارفين بأنّ الدولة لا تملك أكثر من المشهد الكلاسيكي للشيخ يحتضن القسيس، والمأذنة تعانق الكنيسة في إطار «الأخلاق المصرية» وتحت شعار «الدين لله والوطن للجميع».
رغم الضربة الكبيرة ـــ شعبياً وقانونياً وسياسياً ـــ التي تعرّض لها مشروع الإسلام السياسي في مصر، إلا أنّ جذور المشروع ستبقى كامنة في مجتمع تمّت أسلمة أفكاره عبر أربعة عقود. رغم الانتعاشة النسبية التي حققتها الأفكار العلمانية كرد فعل على سلطوية الحكم الإخواني وفشله، إلا أن القاعدة الشعبية الواسعة لا تزال تشترك مع الإسلام السياسي في الكثير من الرؤى تجاه حرية الفن وحقوق المرأة والأقليات وغيرها من القضايا الاجتماعية. وهي رؤى لا تختلف أيضاً إلا من حيث الدرجة مع رؤى مؤسسات الدولة التقليدية وعلى رأسها الأزهر. والأخير ـــ رغم تفتّح شيخه الحالي ـــ إلا أنّه صار منذ زمن حاضنة كبيرة للسلفية الوهابية، وقد قاد هؤلاء الكثير من المعارك ضد المفكرين وعلى رأسهم نصر أبو زيد وفرج فودة. كما أن المؤسسة التعليمية التي تتجاهل الجانب القبطي من التاريخ المصري، وتفرض بعض مدارسها «الحجاب» على الزيّ المدرسي للتلميذات في الكثير من مدارس الأقاليم، بالإضافة إلى مشكلات حرمان الأقلية البهائية من أوراق هويتها، والقيود على الحرية الدينية والانتقال الرسمي من دين إلى آخر، كلّها جزء من مهمات ثقيلة ينبغي للمثقفين قبل غيرهم التصدي لها للاقتراب من النموذج المدني التعددي الذي يُطمح إليه.
رغم المطالب الحماسية بحلّ الأحزاب الدينية أو فرض الرقابة عليها، إلا أنّ تناقضاً أساسياً يقع بين تلك المطالب وبقاء الدستور المستلهمة مواده من الشريعة الإسلامية. وتبقى تلك الحقيقة حائلاً دون الالتزام ـــ بلا تحفظات ـــ بالعهود الدولية لحقوق الإنسان واتفاقات المساواة بين الجنسين. وتكريساً للوضع القائم (دولة ترعى السلطوية الدينية) في مواجهة مشروع «سلطوية دينية ترعى الدولة»، أدرك المثقفون أهمية الدولة في المعركة الأخيرة، ويبقى عليهم مكافحة السلطوية الدينية على الجانبين.