«تتصارع نخبة حارتنا المحروسة، حول القضايا نفسها التي تناكف حولها أسلافنا، منذ قرن وقرون. كأن عقارب الزمان توقفت. ولأن آفة حارتنا النسيان، فلا سبيل إلا بأن نُذّكرها لتفكّر وتعقل، لنتجاوز ما نحن فيه. هذه قصة جُمعت شخصياتها، في عقدين من الزمان. لا من أجل نصر، بل لمستقبل مصر» هكذا قدم الباحث والروائي جمال عمر كتابه «أنا نصر أبو زيد» الذي صدر أخيراً عن «دار العين».


العمل عبارة عن مذكرات تشمل 66 فصلاً على لسان أبو زيد صاغها المؤلف من تسجيلات صوتية، بلغت مئة ساعة، أجراها المفكّر المصري ضمن مقابلات ومحاضرات عديدة. في ظل ما تشهده مصر من حراك ثوري ضد الإخوان، نتذكر نصر الذي حارب الرجعية الدينية بمقدار مجابهته للاستبداد السلطوي الذي مارسته الأنظمة الفاسدة ولو تقنعت بالعلمانية أو المدنية. العقل العربي في رؤية نصر ظل مشدوداً إلى سلطتين طوال تاريخه: سلطة النص الديني، والسلطة السياسية الحاكمة. وبدلاً من سعي النخبة الثقافية إلى تشكيل ائتلاف يسعى إلى مشروع تنويري _ نهضوي حقيقي، عقد المثقفون اتفاقاً مع السلطات في مواجهة الأصولية في الثمانينيات والتسعينيات، ظناً بأنّ المؤسسة هي ضد الأصولية. إلا أنّها أصولية في جوهرها، ولو تصدت لبعض مظاهر التطرّف.
ويبدو أنّ النخبة ما زالت تسير في الاتجاه ذاته. يرحّب العديد من الكتّاب والمفكرين المصريين بما تُقدم عليه السلطات المصرية من فرض إجراءات استثنائية، ووضع قانون الطوارئ لمكافحة «الأعمال الإرهابية»، ما يعيد إلى الأذهان التجربة السابقة ذاتها. بعدما أدى «التنويريون» دورهم في خدمة السلطة، انقلبت عليهم. فالأخيرة التي دافعت عن حرية الإبداع في قضية رواية «وليمة لأعشاب البحر» لحيدر حيدر عام 2000 حين كانت تحتاج الى الدور الثقافي، هي ذاتها التي صادرت ثلاث روايات بحجة مخالفتها للأعراف الاجتماعية والأخلاقية. وهو الأمر الذي فطن إليه نصر وثلة قليلة كخليل عبد الكريم (يساري) وفرج فودة (ليبرالي) متصدّين لتسلط الدولة والجماعات الدينية معاً.