في حوار طويل وغير منشور مع الراحل نصر حامد أبو زيد، أجراه الروائي التونسي كمال الرياحي، يوصي المفكر المصري: «اكتبوا على قبري: هنا يرقد أحد الحالمين بمستقبل أفضل. أيها الزائر قبري لا تكف عن مواصلة الحلم!». وجاءت الثورة المصرية بموجاتها «يناير 2011» و«يونيو 2013» للوصول إلى مستقبل أفضل، خاصة بعد المرور بتجربة نظام استبدادي فاسد بوجهيه: الأول للمخلوع حسني مبارك، والثاني للرجعية الإسلاموية التي لم يتحمّلها المصريون أكثر من عام.


تتصادف الموجة الثورية الجديدة وسقوط الإخوان مع مرور الذكرى الثالثة لرحيل المفكر التنويري، والذكرى السبعين لميلاده.
أبو زيد الذي انصبّت كتاباته على دراسة الخطاب الديني ونقده، كان يرى أن سبب انتشار الإخوان واتساع قاعدة «الجماعة» هو بناء مشروعها على «التلفيق»، وتصوير خطابها باعتباره الخطاب الإسلامي «المعاصر» الذي يتحول معه الإسلام «من عقيدة ومنهج للسلوك الأخلاقي الفردي الاجتماعي إلى أن يصبح ملاذاً حضارياً ومهرباً في الأزمات والإخفاق، وتصبح النصوص الدينية منبع الحقائق، والإطار الوحيد لكل معرفة وعلم
وفن».
النتيجة المنطقية لتحول الإسلام «من عقيدة إلى وطن» هي التطرف في كل ما هو إسلامي. لكنّ أبو زيد حمّل «النخبة الثقافية» جزءاً من مسؤولية انتشاره. ويرى صاحب «الاتجاه العقلي في تفسير القرآن» أنّ القاعدة الشعبية للدين، أو ما يسمى الدين الشعبي العفوي، تم تجريفها تجريفاً تاماً منذ أن بدأ الإصلاحيون يصبّون جام غضبهم على هذا التديّن. وبدلاً من تفهم هذا التدين الشعبي، شارك كل المثقفين من «الخاصة» في «احتقار» هذا التدين، ما أدى إلى خلق كوادر شابة تتقبل صيغة التدين السلفي المتشدد.
في حواره مع كمال الرياحي الذي كان يُفترض أن تنشره «هيئة الكتاب المصرية» قبل تعيين وزير إسلامي للثقافة، يوضح أبو زيد أنّه نتيجة لعوامل متداخلة «صرنا مجتمعات معلمنة وعقولاً متأسلمة وقلوباً لا محل لها من الإعراب».
سقوط النظام الإخواني في مصر بعد عام واحد من الحكم لم يكن سوى تعبير عن إفلاس المشروع الذي أشار إليه أبو زيد في نهاية عام 1994 ضمن دراسة نشرت في مجلة «الهلال» المصرية بعنوان «لماذا طغت التلفيقية على كثير من مشروعات تجديد الإسلام؟». أشار صاحب «نقد الخطاب الديني» إلى أنّ «الإسلام لن يتجدد بالطلاء الزائف من هنا أو هناك، بل بالفهم العميق لتاريخيته (..) ولن يتحقق هذا الفهم بأن نكون عالة على عقول الآخرين وموائدهم، بل بالمشاركة الحقة في صنع التقدم، والمساهمة في الإبداع الحضاري، وهذا الأمر الأخير لا سبيل إليه إلا بالتحرير من عبادة النصوص».
السبيل إلى تحقيق التحرر، بحسب أبو زيد، هو «العلمانية» التي تفصل بين الدولة وبين الدين، وهي وحدها التي يمكن أن تفتح آفاقاً للحرية والعقلانية وتعدد المعاني. الدين شأن المتدينين، ومهمة الدولة أن تضمن حرية الجميع.
مشكلة الخطاب الديني أنّه يلعب على أوتار «الخصوصية» كأننا بدع بين البشر، «ما أصلح للعالم لا يصلح لنا، من دون أن يدقق المخدوعون في مفهوم «الخصوصية» المطروح في الخطاب الديني ليدركوا أنها خصوصية فقيرة جداً ومغلقة؛ لأنها تختصر هوية الإنسان في بعد واحد من الأبعاد العديدة، وهو بعد الدين».