قال لي صديق قريب جدّاً وعارفٌ جدّاً، قال لي مدهوشاً إنّ أحدهم أبلغه أنّي «مسيحي».

لم أعرف إذا كان يقصد «مسيحي» سياسيّاً أو دينيّاً وممارسةً أو تعصّباً.
أجبته، لأنّ قوله سؤال، إنّي مسيحي مثلما المسلم مسلم حتّى لو دُعي عمر فاخوري أو عبد الله العلايلي، والدرزي درزي حتّى لو كان فريد سلمان. هويّاتنا الدينيّة هويّاتُ جالياتٍ تتبادل الخوف، ولا معنى لها إلّا عند أهل التقوى. الآخرون، «المثقّفون» و«المتحرّرون»، يحتقرونها ضمناً ويستعملونها للتجارة والانتخابات والتوتير _ أو العكس، وحال التزوير واحدة.
هل أنا مسيحي كما هو أحمد الأسير سنّي؟ قطعاً لا. أنا ضدّ كلّ أحمد أسير في طائفته، وضدّ التعصّب والانغلاق. حلمي أن يصهر كلّ لبناني إيجابيّات كلّ التعدديّات فيه.
لنعد إلى السؤال. الحقيقة أنّي منذ أربعين سنة بدأتُ أتعبّدُ للقدّيسة ريتّا إثر محنٍ مررتُ بها ومرّ بها، وهذا الأهمّ، صديقٌ لي وصديقة كنتُ أعتبرهما أغلى ما في محيطي. بالصدفة طالعتني صورة لسانت ريتّا وأنا لم أسمع بها من قبل، ومع الصورة صلاةٌ للخلاص من «الحالات اليائسة». كانت هذه بداية تعبُّد مرّ في حالةٍ ملتهبةٍ جدّاً قبل أن يستقرّ، ومهّدَ له وتخلّله ما أسمّيه، مع الاعتذار من المتهكّمين، معجزات. لا أريد أن أفسّر هذه الحالات، ولم أكشفها يوماً مخافةَ أن يُساء فهمها.
هذه هي يا صديقي العزيز مسيحيّتي. وصل بي الوقت إلى اعتبار قدّيستي إلهة. وهذه هرطقة ضد المسيحيّة. وأنا منذ أربعين سنة بالضبط لا أتعبّدُ حقيقةً إلّا لها. مع أنّها كانت قاسية مع عائلتها، ولا تشبهني ولا أشبهها في شيء. لقد غيّرت في اتجاهي الإيماني ولم تغيّر في أخلاقي وطباعي.
إنّي مسيحي، بل ماروني، عند وجوب إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه في استعراض التاريخ ومَن أضاف إلى لبنان ومَن أخذ. هنا أنا مسيحي بحكم الواقع ووجوب الاعتراف بالحقائق. فالموارنة منذ القرن الخامس أو السادس عشر بدأوا بإدخال الثقافة الغربيّة إلى لبنان، ولا أدري إنْ كان ذلك لخير لبنان والمنطقة العربيّة أو لشرّهما، لكنّ الواقع يقضي بالإقرار أكثر بذلك وإدخاله (وإدخال غيره عن غير الموارنة من المدفونات) في كتب التعليم.
أنا مسيحي ماروني عند الاعتزاز برجال عصر النهضة، مع أنّ معظمهم روم كاثوليك وأرثوذكس وماسونيّون كارهون للكنيسة وعاملون بكلّ جهودهم على تقويضها.
أنا مسيحي فخور بهؤلاء الروّاد كما هو أيّ مسلم فخور بالأدب المصري. أنا فخور ومنحاز للفنّ الغنائي اللبناني ولفيروز والأخوين رحباني، كما هو المصري والسنّي العربي عموماً منحازان لأمّ كلثوم وعبد الوهاب. وأنا منحاز لأسمهان وفريد الأطرش الدرزيّين لأنّهما ذهبا شهيدي التضافر المصري ضدّهما. هذه جذورنا وهي أجمل منّا.
أنا مسيحي ما عملت طوال حياتي إلّا مع «الآخر»، مسلماً كان أو درزيّاً أو أرثوذكسيّاً. ولم أتوظّف ولا مرّة عند ماروني أو مؤسّسة مارونيّة ولم أزُرْ بكركي ولا مطراناً ولا كاهناً، ولا أدخل الكنيسة إلّا مرّة في السنة لإحياء ذكرى غياب زوجتي.
صديقاتي المسلمات والدرزيّات أكثر من صديقاتي المسيحيّات. ولا أتحدث عن أصدقائي لأنّهم واحد أو اثنان ولا يحبّان الإشارة إليهما.
ليست مسيحيّتي ما يحملني على النفور من الطغيان الشيعي _ السنّي على البلد، بل هو خوفي من اضمحلال التعدديّة والتنوّع والحريّة. مسيحيّتي _ إذا استطعنا بعد هذا أن نسمّيها مسيحيّة _ تحملني، بالعكس، على احتقار رجال السياسة المسيحيّين لتفاهة معظمهم وفساده وعدم مناعته أمام الالتحاق كالذَنَب تارةً بهذا المعسكر وطوراً بذاك في استهتارٍ مطلق بعقل المواطنين وجهل مطبق بطبيعة لبنان وإمكانات ردود الفعل على هذا السلوك السافل.
لي في السبعينات مقال افتتاحي في «النهار» عنوانه: «افتحوا الأبواب افتحوا الأبواب» أدعو فيه إلى انتزاع حصريّة رئاسة الجمهوريّة من الطائفة المارونيّة. ومَن يشكّك فليراجع كتابي المثلّث «كلمات كلمات كلمات». وقد بات انتزاع هذه الحصرية غير ضروري لأنّها انتُزعت واقعيّاً. وكنتُ أفضّل لو جاء ذلك عبر تغيير الدستور والعُرْف.
ظلّ أبي حريصاً على سكنانا في أحياء إسلاميّة (المزرعة ثم البسطة) حتّى اضطررنا إلى إخلاء منزلنا في النويري لأنّ صاحب الملك يريد تزويج ابنه وإسكانه في الشقّة. مسيحيّتنا من الأساس علمانيّة تعرف «الآخر» وتحبّ معايشته.
هل أنا مسيحي أيّها الصديق القلق؟ أنا مسيحي كما أقول أنا لبناني وكما أقول أنا عربي وكما أقول أنا شخصٌ فرد لا يعرفني غير قلمي.
أنا مسيحي لأنّي أقليّة، ولأنّي أتبنّى وأحتضن وأحبّ كلّ الضعفاء، ولو بقي يهود وادي أبو جميل في منازلهم لكنتُ مستعدّاً أن أؤلّف حَرَساً لهم يحميهم عند اللزوم.
أنا مسيحي لأنّي غربيّ الثقافة، وأنا عربيّ لأنّي مدين بحياتي للغة العربيّة التي قلّما أحبَّها وخدمها أحد مثلما عشقتها ودمّرتها وأحببتها وأحيتني وأحيتني وأحيتني. هل يمكن أن يكون المسيحي عربيّاً؟ هو كذلك. وهو المزايد دوماً على المسلمين في العروبة وضرورة انفتاحها التقدمي وضرورة عودتها للحلول محلّ اصطناع الأدوار المتخلّفة والدمويّة للمزعومين إسلاميّين وهم مجرّد أغبياء أو عملاء.
لم أتذكّر أنّي مسيحي إلّا عندما طرح عليّ صديقي السؤال. فوجئتُ وعادت إليَّ صور الراهبات في طفولتي. لا يسلم الواحد من صور الطفولة، لكنه يَسْلَم ممّا قد يتعرّض له من عدوى أو غسل دماغ.
أنا باقٍ كما أنا، بلا تصنيف، وأتمنّى لكلّ إنسان أن يكون بلا تصنيف. هذا هو معنى الإنسانيّة. نحن لسنا طوائف بل نحن أفراد لكلّ منّا عالمه الأكبر من نجوم الفضاء.
أؤمن بوحدة الوجود، والمؤمنون بوحدة الوجود منبوذون من الكنيسة.
وكلّما اقتربتْ نهاية الطريق وجدتُ كم أنّ الشغف مهمّ كالإيمان. انشغفْ وانشغفي. حبّاً عشقاً فنّاً خدمةً تضحيةً إيماناً طموحاً إلحاداً محبّةً كراهيةً جنوناً، مهما أردتما.
أنا مسيحي ومسلم ودرزي ويهودي وبوذي وزرادشتي ووثني، تعنيني منها فقط جواهر هنا أو هناك، وأرفضُ طقوسها كلّها.
أكبر الظنّ أنّي لم أُشفِ غليل سؤالك أيّها الصديق العزيز، وعذري ربّما أنّي لم أُشفِ غليلي أيضاً.
عندما ننعتق من جفصيننا الطائفي والمذهبي والعقائدي والحزبي نصل إلى المناطق اللامحدودة. نصل إلى الحريّة، ما قد يصعب التعبير عنه. أتمنّى لك، وأنت المفطور على التمرّد، وقد تكون مترنّحاً بين «البقاء في الصفّ» والسباحة في هواء الحريّة، أتمنّى لك أن تنعتق. إنْ كان لا بدّ من التزام، ألا يكفي الالتزام بالقيم الإنسانيّة؟ الخير والمحبّة والتسامح والرحمة والشفقة؟ إنّ عصبيّاتنا هي عدوّنا.
حين نكبر فوق قيودنا ومحفوظاتنا ومخاوفنا وطوائفنا، سنرى كم يصغر العالم الكبير أمام رحابة صدرنا، وكم يصغر كلّ شرّير أمام تدفّق عطاء الإنسان، الإنسان الإنسان، بلا تصنيف ولا عزْل. إنسانٌ لا نُسمّيه إلّا من بريق عينيه.





إيمان حمصي
لم أدرِ بوفاتك إلّا متأخّراً. وأنا على حقّ. فكيف لكِ أن ترحلي وأنتِ في عزّ عطائك، وأناملك على القانون منذ ثلاثين سنة وأكثر وهي تطرب السامعين، وما طلبتِ شهرةً قطّ، ولا ظهرتِ إلّا لتعزفي بكامل تواضعكِ ومُرْهَف موهبتكِ وأصابعك العشر بكاملها.
أذكركِ دوماً في الأوركسترا العازفة مع فيروز، وأذكركِ في الأمسية الشعرية الممسرحة التي أقيمت لي في «بيت المستقبل» واشترك فيها العديد من ممثّلي المسرح في لبنان، ورقصت إحدى أمهر راقصات الباليه على عزفك. وقد طلبتُ منكِ، أتذكرين، أن ترتجلي طبعة شرقيّة عن «نشيد الفرح» السمفونيا التاسعة لبيتهوفن، ودلَلْتُكِ على القصيدة التي تمنّيتُ أن تستهدي بها، فقلتِ لي بعد قراءتها، بصدقك وبراءتك: «لم أفهم شيئاً من قصيدتك، ولكنّي سأعزف ما طلبت».
وأذكرك عبر شقيقتك هالة زميلتنا الدينيّة سابقاً في «النهار»، وأقول دينيّة لأنّها لُزّمت كلّ ما يتعلّق بالمطرانيّات والأبرشيّات وما جاورها، وموهبتها واندفاعها أكبر من ذلك الاختصاص الضيّق، لكن ما الحيلة مع أرباب العمل.
قيل لي إنّكِ ذهبتِ باكراً نتيجة المبالغة في معالجتك الكيماويّة. وقبلك قيل مثله عن وفاة وليد غلميّة. وقبلهما وبعدهما ما لا ندري عن الناس البسطاء الذين لا يكترث أحد لأحوالهم. كان عليكِ أن تبقي أكثر بكثير. البارحة كنت أحضرك في حفلة فيروز بدبي عام 2001. بكامل صباكِ الغضّ. بكامل امّحائكِ وراء أناملكِ. أيجوز أن يكون المرء مالئاً دنياه وزمانه وفجأةً يختفي؟ المشيئة التي تسمح بهذا، المشيئة أو منفّذوها أو وكلاؤها المزيّفون، مجرمون يستحقّون المحاكمة (في غير محاكم لبنان).
لقد أطلَعَتْ أناملكِ أطيب النغمات من القانون. ليسمح القادر بأن ترافقك أمواج السحر هذه حيث أنتِ الآن، وتحملكِ غيمتها البيضاء إلى حيث كان قلبكِ مقيماً دوماً.
* من مؤلّفات إيمان حمصي: «سارة» (مُهداة إلى ابنتها البكر) _ «أي. ار. ام» من وحي دخولها في نفق هذه الآلة، معبّرةً في لحنها عن المشاعر التي انتابتها وهي تدخل النفق _ «فالس النار» _ «القمر». ومن موسيقى الغرفة «بين أمي وأبي» للقانون والكمان. وقطعة للقانون مهداة إلى ابنتها الصغرى.



يا ليلى ويا وليد
تحوّل لبنان مع سخاء وليد آل سعود وبهمّة خالته ليلى الصلح حمادة إلى معرض متسوّلين. هذا 5 هذا ألف هذا عشرة. من جميع الطبقات والحِرَف والطوائف والمؤسّسات. يتراكضون والحبور على وجوههم. وهاتِ يا صُوَر تتألّق فيها ليلى (وقد ازدادت إشراقاً وصباً عمّا كانت في أوج صباها) وينبطح لبنانيّون كنت تظنّهم، لا بثراء الأمير، بل على الأقلّ مليونيريّة.
والصحافة تنشر وتقبض.
أصبحت صور ليلى وابن أختها كالإعلانات المبوّبة. ظاهرةٌ كهذه تقول إنّ لبنان صار بنغلادش.
يا ستّ ليلى كفى صوراً، والقصص تُروى عن «شروط» المساعدة، ويا سيّد وليد دع أحداً من معاونيك الذين يحسنون الفرنسيّة يشتري روايةً شعبيّة اسمها «أسرار باريس» لمؤلّفها أوجين سو (من القرن التاسع عشر)، ويلخّصها لك. بطل الرواية _ التي نالت في زمانها رواجاً كاسحاً ومهّدت بفكرتها لفكتور هوغو أن يكتب تحفته «البؤساء» _ أمير مثلك، وهو ثريّ كبير، ومجروح من حال الفقراء في باريس، ومعظمهم لم يكن يمتلك حذاءً ولا غذاء. راح الأمير رودولف يتسلّل شخصيّاً أو يرسل معاونيه إلى بيوت البؤساء ويعاين أوضاعهم ويرسل لهم ما يعيلهم وينشلهم من عوزهم دون أن يعرفوا هويّة المحسن. أثارت هذه الرواية ثورة لتعظيمها الكرم المستتر إلى هذا الحدّ. وردّ عليها كارل ماركس مستنكراً لأنّها في نظره تعطّل صراع الطبقات.
يا ليلى كفى صوراً، دعيها لمناسباتٍ غير هذه، ويا سيّد وليد مع احترامنا لنجاحك، رجاءً لا تنشر صورك كلّما ربحت الشركة القابضة مليوناً أو زارك القائم بالأعمال السوداني.