القاهرة | كغيرها من القنوات الدينية في مصر، تمارس قناة «الأمة»، عبر مالكها ومقدم برامجها الرئيسي الشيخ أبو إسلام، مزيجاً من التحريض الديني والطائفي والترويج للخرافات. لكن أبو إسلام طالما «تميّز» بتوجيه إهانات تجاه العقيدة المسيحية. ليس غريباً أن يصدر ضده أول حكم في قضية «ازدراء الدين المسيحي» في مصر. محكمة قاهرية أصدرت قرارها بسجن الشيخ 11 عاماً، 8 منها بتهمتي ازدراء الأديان وتمزيق الإنجيل، و3 سنوات بتهمة تكدير الأمن العام، ونال ابنه إسلام حكماً بالسجن 8 سنوات عن التهمتين الأوليين، وأوقفت المحكمة تنفيذ الحكمين بكفالتين ماليتين إلى حين الاستئناف.


في الأشهر الأخيرة، لاحظ المراقبون تصاعداً مثيراً للقلق في قضايا «ازدراء الأديان»، كما لاحظوا أن معظمها ينصبّ على مواطنين ينتمون إلى الأقليات، أو ملحدين، بينما تمارس القنوات الإسلامية تحريضاً بنحو شبه يومي من دون أدنى محاسبة. ميزان مختلّ وازنته قليلاً قضية الشيخ أبو إسلام التي إذا تأكد حكمها في الاستئناف فسيكون أول من يُسجن بتهمة الإساءة إلى الدين المسيحي، علماً بأن مجموع كفالته وكفالة ابنه لا يتجاوز آلافاً قليلة من الجنيهات (9 آلاف للأب و4 آلاف للابن). تتضح المفارقة عند مقارنة ذلك بكفالة المواطنة المسيحية دميانة عبد النور التي اتهمت بازدراء الإسلام و«التبشير» وغرمتها محكمة أخرى بمبلغ 100 ألف جنيه مصري، علماً بأنّها معلمة شابة فقيرة من الأقصر في صعيد مصر، على عكس أبو إسلام مالك فضائية «الأمة».
بين الحكمين (الإسلامي والمسيحي) اللذين صدرا في الأيام القليلة الماضية، أصدرت محكمة في محافظة بني سويف حكماً غيابياً بالسجن 5 سنوات على كاتب القصة كرم صابر لاتهمامه بازدراء الأديان في «أين الله؟» (2010). ولقضية كاتب القصة بُعد إضافي. فقد أرسلت النيابة إلى الأزهر والكنيسة نسخاً من المجموعة لأخذ رأييهما، فأجابا معاً بتأكيد اتهام المؤلف بالإساءة إلى الأديان، فأصدرت المحكمة حكمها بالسجن، وهو الأول من نوعه ضد أديب منذ 1991، حين أصدرت محكمة (أمن الدولة العليا طوارئ!) حكمها ضد الروائي علاء حامد بالسجن 8 سنوات وغرامة 2500 جنيه، لما ورد من «تهديد للوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي» في روايته «مسافة في عقل رجل» (1988) بناءً على بلاغ من جبهة علماء الأزهر.
بوصف قضايا ازدراء الأديان نوعاً من «محاكم تفتيش» معاصرة، ليس مستغرباً أن تواصل المنظمات الحقوقية، ومن أبرزها «المبادرة المصرية لحقوق الإنسان» و«الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان»، إدانتها لاستمرار تلك المواد في قانون العقوبات، لكن من غير المتوقع أن تنخفض وتيرة القضايا. الدستور المصري الجديد خصص مادة مستقلة في باب «الحقوق المدنية والسياسية» (المادة 44)، تتكون من عبارة واحدة «تُحظر الإساءة أو التعريض بالرسل والأنبياء كافة». وقد جاءت تلك المادة بين مواد حرية الاعتقاد (مادة 43)، وحرية الفكر والرأي (مادة 45)، وحرية الإبداع (مادة 46)، ويعني ذلك أن مادة «حظر الإساءة» تقف خطاً أحمر للمواد السابقة واللاحقة، إذ تمنح سنداً دستورياً للإبقاء على مواد «ازدراء الأديان» في منظومة القوانين المصرية. حكم سجن الشيخ أبو إسلام يبدو «شكلياً» منصفاً للمسيحيين، لكنه ليس إلا تكريساً لمنظومة قانونية تحمي الكتب المقدسة، بدلاً من حماية معتنقيها.