باريس | على أعتاب الوقت والمكان، تُقرأ أعمال أحلام شبلي (1970) متخذةً مسافة من التاريخ (الفردي والجمعي) والجغرافيا. لطالما سكن سؤال الهوية وضياع الوطن ابنة الجليل. بهَمّ المؤرخ، انشغلت المصوّرة بـ«إظهار» الحقيقة والوقائع بعيداً عن الشعارات والحسّ النضالي أو الأحكام. قبل محطتها الباريسية، عرضت أعمال شبلي في متحف الفن المعاصر «ماكبا» في برشلونة من دون مشاكل. لكن في متحف «جو دو بوم» في العاصمة الفرنسية، ما كان ممكناً أن يمرّ «وطن الأشباح» الذي يحوي صوراً لشهداء فلسطين، مع وجود «المجلس التمثيلي للمنظمات اليهودية».


هذا الأخير يمضي وقته في استهداف كلّ المعادين للصهيونية حتى اليهود.
«وطن الأشباح» الذي بدأت شبلي العمل عليه منذ عام 2000 يضمّ مجموعات فنية، آخرها «موت» التي أنجزتها شبلي خصيصاً للمعرض، ما استدعى هجوم «المجلس التمثيلي للمنظمات اليهودية». تعكس «موت» الوجود القوي للـ«غائبين» أي الشهداء في الوعي الجمعي الفلسطيني من خلال صورهم المعلّقة في أنحاء المدن المحتلة. صور الشهداء مقدسة ومصونة. يظهر ذلك في العديد من الصور، بينها واحدة لفتاة شابة تمسح الغبار عن صورة شهيد معلّقة في منزل عائلته. تضمّ المجموعة أيضاً صورتين لمدينة نابلس تظهر الاكتظاظ السكني، ثمّ المقابر التي تعدّ المساحة الخضراء الوحيدة، ما يبيّن حالة الاختناق التي تحاصر الفلسطينيين. هذا المعرض لم يمرّ من دون ضجة. في 5 حزيران (يونيو)، بعث الرئيس «المجلس التمثيلي للمنظمات اليهودية» روجيه كوكيرمان رسالةً إلى وزيرة الثقافة أوريلي فيليبيتي، طالباً منها التدخل، بدعوى أنّه «من غير المقبول أن تقوم هذه الصور بتمجيد الإرهاب في وسط باريس»! كما تم اللجوء إلى شتّى أنواع الترهيب والتخويف الخسيسة والدنيئة بغية وقف المعرض: إنذاران بوجود قنبلة وردا في 14 و19 حزيران، ما استدعى إخلاء المتحف مرتين. وتلقى فريق عمل المتحف اتصالات هاتفية (6 و7 حزيران) تضمنت تهديدات وشتائم وبقي يتلقى يومياً عشرات الرسائل البريدية والإلكترونية، بعضها جاء من الولايات المتحدة، ومن أناس لم يروا المعرض حتى!
من جهتها، أصدرت وزارة الثقافة والاتصالات الفرنسية بياناً شدّدت فيه على احترام الحق الأساسي في حرية التعبير وعدم التدخل في برامج متحف «جو دو بوم»، لكنّها طلبت منه «توفير معلومات كاملة للزائرين»، بدعوى أنّ «حيادية شبلي التي ترغب في تقديم الأمور بلا حكم أو تنديد يمكنها بحد ذاتها أن تصدم وتفسح في المجال لتفسيرات سيئة لأنها لا تشرح خلفيات وإطار الصور الذي يتعدّى الفقدان إلى الإرهاب»! لم ينتبه أحد إلى رسالة شبلي السياسية في معرضها الذي يكشف كيف تبدّل الجلاد والضحية عبر التاريخ. الناجون من المحرقة الذين أتوا إلى الأراضي المحتلة، صاروا هم الجلاد! يجعلنا المعرض نلامس حالة الإنكار المرضية التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي عبر تجهيز يضمّ ستّ مجموعات، وخصوصاً الأخيرتين «تروما» و«موت». وإذا كانت «موت» تظهر لنا شهداء فلسطينيين (قَتَلوا أحياناً مدنيين)، وما يتعرّض له أهلهم (المدنيون) من انتقامات وحشية على أيدي الاحتلال، تلقي «تروما» (صدمة) الضوء على إحياء ذكرى انطلاق المقاومة ضد النازيين في تول في كوريز (جنوب غرب فرنسا) والانتقامات الوحشية التي ارتكبها ضدهم المحتل النازي بين 7 و9 حزيران (يونيو) 1944.الملاحظة المبنيّة على شهود حددتهم الفنانة والتقطت صورهم تظهر كيف أنّ أولئك الذين قاوموا النازيين وعانوا من وحشيتهم، هم ذاتهم الأشخاص الذي عادوا ليقاتلوا بعد سنوات في الحروب الاستعمارية في الجزائر وغيرها ضد شعوب انتفضت بدورها لتطالب باستقلالها! كان أحرى بـ«المجلس التمثيلي للمنظمات اليهودية» في فرنسا ووزارة الثقافة أن يحيّيا اعتراف فلسطينية بالجرائم الإنسانية الكبرى التي ارتكبها النازيون ضد اليهود. تشرح شبلي من خلال تعليقات الصور كيف جمع عناصر من وحدة «أس أس» النازية 2000 رجل في المدينة (بين 16 و60 سنة) بين 7 و9 حزيران 1944 واختارت منهم 99 لشنقهم على الشرفات أو أعمدة الشوارع، وأخذت 149 إلى معسكرات الاعتقال. الضجة على معرض شبلي ما زالت مستمرة في فرنسا، وخصوصاً في الصحف. جيل رونو ذكّر في مقال نشره في صحيفة «ليبيراسيون» بأمر مماثل حصل في «متحف الفن المعاصر» في باريس عام 2010، يومها، قامت الدنيا بسبب معرض المصوّر الألماني كاي فيدنهوفر الذي خصّصه للضحايا المدنيين الذين سقطوا في القصف الإسرائيلي على غزة. لا شيء تغيّر اليوم، ما زال الكلّ هنا يهاب الحديث عن إرهاب إسرائيل!

«وطن الأشباح»: حتى الأول من أيلول (سبتمبر) ــ متحف «جو دو بوم»
www.jeudepaume.org

للتوقيع على بيان التضامن مع المتحف الفرنسي الذي يعرض أعمال أحلام شبلي أنقر هنا




أقليات ومهمّشون

البارز في معرضها «وطن الأشباح» أنّ أحلام شبلي نجحت في تجاوز حدود هويتها، فقدمت أيضاً ثلاث مجموعات فنية تركز على أقليات أو مهمشين في المجتمع، منها مجموعة حول فلسطينيين من أصل بدوي يتطوعون في الجيش الإسرائيلي مقابل الاعتراف بهم وفوائد مادية. إنّه الثمن الذي تدفعه أقلية تم استعمارها، إضافة إلى مجموعة عن مثليين وثنائيي الجنس ومتحولين من الشرق (باكستان وفلسطين ولبنان وتركيا والصومال) تركوا بلدانهم ليتمكنوا من العيش والتعبير عن ميولهم الجنسية بحرية، بالإضافة إلى مجموعة ثالثة عن أيتام بولنديين تظهر كيف يعاد بناء عائلة ومجتمع خارج الأطر التقليدية التي تستند إليها الثقافات والهويات.