إلى العام 1974، يعيدنا رانيا ورائد رافعي. إلى تلك الحقبة التي كان فيها اللاعبون في لبنان يستعدّون لنكسته الكبرى. إلى زمن تمخض فيه الحراك أملاً، فولد حرباً. إلى حيث التغيير بدا وشيكاً، يوم انتفض الطلاب في «الجامعة الأميركية في بيروت» على محاولات الاسقاطات الثقافية الأميركية ومقاومة الغزو الثقافي التعليمي من خلال احتلالهم للجامعة. الحدث لخّص اللعبة السياسية التي أدّت إلى اجهاض محاولة الجامعة التي انتجت قادة الوطن وعملاءه على السواء كما يشير الشريط نفسه.
هل فعلاً كان ذلك الزمن ذهبياً بالنسبة إلى الحركات الطلابية؟ هل فعلاً كان نوراً أخفتته ظلمة الحرب الأهلية؟ كُتب الكثير عن تلك المرحلة، عن الشباب والكفاح الفكري والمسلح، كتب الكثير عن الحركة الطلابية آنذاك، وعن حداثة الفنون في تلك الحقبة، لكن كل تلك الكتابات شابتها نوستالجيا منعت موضوعيتها. قلة تمردت على تلك الأحكام المسبقة الى أن جاء النقد من حيث لم يتوقع كثيرون.
يستعير رانيا ورائد رافعي في فيلمهما «74 ــ استعادة لنضال»، شكل الوثائقي في عمل روائي بسيط من الناحية التقنية، لكنه جريء في استعادته لتلك الحقبة. عبيدو باشا الكاتب والناقد المسرحي سبقهما الى تعرية تلك الحقبة. باشا نقد في كتابه «هكذا» كل ما قيل عن التاريخ الذهبي للمسرح. لاحق كل من صنعوا الاسطورة وفضح أدوارهم، وأثبت أنّ الأسطورة أسطورة لا أكثر. واليوم، ينقلنا الثنائي الى نقد الحركة الطلابية وما شابها من حماسة زائدة، وطيش غير مبرر. الواقع كان كفيلاً بالاجهاز على الأمل من حرم الجامعة. هذا وطن لا يصلح للتغيير ولا للأفكار الكبرى، ولا مكان لليوتوبيا حتى على مقاعد جامعاته، مهما تأدلج طلابها وتحمسوا.
رانيا ورائد قررا خوض مغامرتهما السينمائية من الصفر. ضعف الميزانية أملى عليهما تقشفاً في التقنيات وطريقة العمل: كاميرا واحدة، مكان تصوير واحد. لم يفكر المخرجان في اختيار بديل منطقي لمبنى الجامعة وغرفة مدير أكثر المؤسسات التعليمية ارستقراطية. بدا المكان أفقر من أن يُصدّق. الجهد كله كان على الممثلين، ومعظمهم ناشطون سياسيون. لكنّ أداءهم كان مقنعاً اكثر من معظم الأسماء في الساحة التمثيلية المحليّة. أما السيناريو والحوارات، فكانت كلها ارتجالية بلا نص مكتوب مسبقاً، ما جعل العمل صادقاً بعيداً عن التكلّف. جهد جبّار يُحسب للممثلين. لولا أعمارهم الشابة ولولا الفارق الزمني بين القصة الحقيقية والعمل المصوَّر، لاعتقدنا أنّهم فعلاً الشخصيات الحقيقية لتلك الاحداث التي احتلوا فيها الجامعة وغرفة المدير رفضاً لزيادة الأقساط شكلاً، ورفضاً للدور الذي اتهمت الجامعة بممارسته بشكل
أعمق.
اللافت في الفيلم أنّه اتخذ شكل الأفلام الوثائقية، كأنّه صوِّر في تلك الحقبة. كأنه من أفلام الواقع. تتابع الكاميرا حياة الطلاب المنتفضين داخل حرم الجامعة، وداخل مكتب المدير تحديداً. تتابع نقاشاتهم وخلافاتهم وانفعالاتهم ورؤيتهم للواقع. تظهر هشاشة مواقفهم وعدم قدرتهم على قياس الفعل ورد الفعل، وحتى ضياعهم حول تحديد سقف للمطالب والتحرك، وأساليبهم التي تتجه نحو القمع الذي يثورون عليه أصلاً، فضلاً عن تخلي السياسيين عنهم وتحديداً أولئك الذين يتبنون مواقفهم. تُرك الطلاب في المعركة، وليس معهم شريك سوى أحلامهم، ورغباتهم اليوتوبية في تغيير الواقع بلا أدوات حقيقية. ما زاد العمل واقعية أنّ المخرجَين عمدا الى مقابلات فردية مع أبطال العمل، وبدت الشهادات كأنّها حقيقية، حيث يخبر كل واحد من الطلاب السبعة عن تجربته وسبب اندفاعه.
إنّه عمل جاد رغم كونه تجربة لا أكثر، ولكن لماذا كل هذا الفقر في الإخراج، لا موسيقى تصويرية ولا كادرات فنية، ولا حتى لقطة واحدة من الشارع أو من الأرشيف حيث التفاعل الحقيقي مع الطلاب؟
العمل الذي يعرض قريباً في الصالات المحلية، يستحق المشاهدة رغم نقاط الضعف التي تشوبه. هناك أهمية لكتابة التاريخ بموضوعية تنقصنا كثيراً، ربما لنفهم الحاضر ونقرأ المستقبل بصورة
افضل.
رانيا ورائد رافعي أنتجا فيلماً مهماً من الصفر. فهل ينجحان في الصالات السينمائية، فيجنيان بعض المال الذي يؤهلهما لصنع فيلم أكثر احترافاً؟ لا نعرف ما إذا كان الجمهور اللبناني مستعداً لأن يقرأ تاريخه من خلال أعمال مماثلة. الفيلم هو مغامرة، لكن مع هامش انتاجي يقيهما الخسارة المادية. لكن يمكن القول إنهما جرّبا أن يقدما قراءة مقنعة في الفيلم، وأن يأملا نجاح الشريط تجارياً. أليس الأمل قضية الشريط نفسه؟




«74 ــ استعادة لنضال»: من ٢٣ أيار (مايو حتى ١٢حزيران (يونيو) ــ «متروبوليس أمبير صوفيل» (الأشرفية ـ بيروت) ـ للاستعلام: ٢٠٤٠٨٠/01